top of page

نبذة عن تاريخ طب الأخلاط

هذا المقال يقدّم لمحة تاريخية شاملة عن طبّ الأخلاط، موضحًا جذوره مع الأنبياء، وانتشاره في الحضارات القديمة، وازدهاره في العالم الإسلامي حتى صار أساس التعليم الطبي في أوروبا. كما يبيّن أسباب محاربته في الغرب، ودوره العلمي والشرعي، وأهمية إحيائه اليوم كعلم راسخ قائم على قواعد دقيقة

صفحات قديمة من مخطوطات طبية إسلامية عن طب الأخلاط

إذا تأمّلنا التاريخ وما حصل فيه من تحوّلات، ندرك تمامًا أن الطب الحقيقي هو طب الأخلاط. ومن خلال هذا نفهم لماذا حصل التحريف والتغيير، ولماذا تُرك، وما الأسباب التي دفعت الغربيين إلى تركه.

ويبرز هنا سؤال مهم:هل يقال عنه "الطب البديل"؟هل يقال عنه "طب الأعشاب"؟هل يطلق عليه "الطب العربي"؟هل يطلق عليه "الطب اليوناني"؟

الحقيقة أن جميع هذه التسميات مرجعها واحد: طب الأخلاط، فهو اسمه. وفي اللغة الإنجليزية يُعرف كذلك. هذا الطب لم يكن محصورًا في جزء من البلاد، بل كان موجودًا في كل الدنيا: في البلاد العربية، وفي الأوروبية، وفي الآسيوية.

بداياته مع الأنبياء

أصل هذا الطب وحيٌ من الله تعالى على سيدنا آدم عليه السلام. فقد علّم الله آدم أصول المعيشة، ومنها الطب. وعلّم أولاده بعض هذه الأصول. إذ إن الطبائع أربعة: الحرارة، البرودة، الرطوبة، واليبوسة، وكذلك الأعشاب والبهائم تنقسم طبائعها بين هذه الصفات. ثم أوحى الله تعالى إلى إدريس عليه السلام بعلم الطب أيضًا، حتى رُوي أنه هو الذي بنى الأهرامات وكتب عليها العلوم في زمانه. ونحن لا نعتقد أن أصل الإنسان قرد؛ بل سيدنا آدم نبيٌّ من أنبياء الله.

وكذلك أوحى الله إلى نبيّه سليمان عليه السلام علمًا في هذا الباب، فكانت تنبت شجرة في مصلاه تخبره عن مزاجها وطبعها ومنافعها. هذا كله كان يُدوّن ويحفظ، ثم زادت البشرية عليه بتجاربها وخبراتها. ومن هنا جاء علمٌ عظيم وهو علم النبض، وأصله وحي على بعض الأنبياء. فهو علم يعرف به حال القلب والدماغ وسائر الأحوال، بل حتى هل يحتاج الإنسان إلى عملية أو لا.

الطب في الحضارات القديمة

من الطبيعي أن الناس في زمن آدم كانوا يتداوون، وإلا فكيف عرفوا الداء والدواء؟ بالتأكيد أخذوه من وحي الله وتعليم أنبيائه. ومن هنا انتشر هذا الطب مع انتشار البشر في الأرض.

وقد وصل إلى مصر القديمة، ووجدت في أوراق البردي وصفات للتداوي بالأعشاب. ثم جاء اليونانيون، وفي الإسكندرية كانت هناك مدرسة طب درس فيها جالينوس بعد أبقراط. أبقراط اشتهر بأنه "أبو الطب" لأنه نشره بين عامة الناس بعدما كان محصورًا بين الملوك والأغنياء.

العرب قبل وبعد البعثة.

أما عند العرب، فقد كان هناك أطباء قبل البعثة، مثل الحارث بن كلدة الثقفي الذي درس طب الأخلاط في فارس. وقد عالج كثيرًا واشتهر حتى وصل خبره إلى كسرى أنوشروان.

ثم بعد البعثة، اهتم العرب بالطب اهتمامًا عظيمًا، باعتبار أن تعلمه يدخل في الفرض الكفائي. ومن كبار أطبائهم:

  • الرازي

  • ابن النفيس: الذي يُقال إنه لم يأتِ بعده مثله في الطب.

لقد شرح ابن النفيس كتاب القانون لابن سينا، ووضعه بأسلوب طبي دقيق أيسر للفهم من أسلوب ابن سينا الفلسفي. وكانت مؤلفاته من أهم ما تُرجم ودُرس في أوروبا.

أثره في أوروبا

في الأندلس (قرطبة) وفي بغداد، كانت هناك جامعات يدرس فيها الطب، وكان الأوروبيون يقصدونها. ومن هناك أسسوا جامعات مثل ساليرنو ومون بلييه ، وكلها اعتمدت على طب الأخلاط. بل إنهم ترجموا كتاب كامل الصناعة لعلي بن العباس، وكتاب القانون لابن سينا، ودرسوهما في مدارسهم الطبية.

إلا أن أوروبا فيما بعد بدأت تحارب هذا الطب، لا لضعفه، بل لأنها أرادت أن تنهي الحقبة التي كانت تتبع فيها المسلمين في العلوم. وهنا بدأ التشويه والتحريف.

حرب لم تكن بسبب ضعف الطب

لم يكن السبب في محاربة طب الأخلاط أنه ضعيف أو عاجز عن العلاج، بل لأن أوروبا أرادت أن تضع حدًّا لمرحلة طويلة من تبعيتها العلمية للمسلمين. لقد خرج الأوروبيون من علوم كثيرة، وكان الطب من آخر ما خرجوا منه، فشنوا حربًا عليه ليُبعدوا الناس عنه.

أسطورة الأعمار القصيرة والطب البدائي.

من أكثر الأكاذيب التي رُوِّجت أن الطب القديم لم يكن إلا معرفة ببعض الأعشاب، وأن الناس كانوا يموتون صغارًا بمعدلات لا تتجاوز الأربعين عامًا. هذا تزوير للتاريخ؛ إذ يشهد التاريخ بإنجازات عظيمة وأطباء مهرة عالجوا أكثر من ٨٠٠ مرض بطرق حقيقية فعالة.

مكانة شرعية وعلمية.

إذا كان طب الأخلاط فاشلًا، فلماذا أقرّ العلماء المسلمون أنه فرض كفاية؟ بل ووضعت الشريعة ضوابط شرعية تحاسب الطبيب الذي يصف دواءً بلا خبرة أو معرفة. حتى القضاء كان يُسائل الأطباء ويعتمد على أهل الخبرة لمعرفة إن كان الطبيب أصاب أم أخطأ.

تطور التخصصات الطبية.

في الماضي، وُجدت تخصصات دقيقة مثل:

  • جراحو العيون (الرحّال) الذين جمعوا بين التشريح والعلاج.

  • الجراحون في شتى المجالات.

  • أطباء متخصصون في الأمراض الجزئية بتشريح مذهل ودقة عالية.

ليس مجرد "طب أعشاب"

تسمية "طب الأعشاب" تسمية غربية مضللة. طب الأخلاط يستعمل الأعشاب، لكنه أيضًا يستعمل المعادن، الأحجار، الأجزاء الحيوانية، والمركّبات الكيميائية، وفق قواعد وأصول نازلة بالوحي. الأعشاب جزء من منظومة، وليست كل الطب.

مؤسسات طبية متطورة

المسلمون أسسوا مستشفيات متقدمة ومجانية للناس، مع اهتمام كبير بالمكان والهواء المناسب. من ذلك قصة بغداد حيث اختبر الأطباء فساد اللحم في جهات مختلفة لتحديد أفضل موضع لبناء مستشفى

 

تشويه متعمّد في الغرب

الغرب أراد أن يختزل هذا العلم العظيم في صورة "طب شعبي" يُتوارث عن الأجداد بلا علم أو أصول. لكن الحقيقة أن بين أيدينا مئات، بل آلاف، المخطوطات الطبية المطوّلة، مثل كتاب الشامل لابن النفيس، وهو موسوعة ضخمة وقد طبع حديثا.

دقة علمية ونقدية

هذا العلم قائم على أصول عقلية ونقدية متينة. في زمنه، لم يكن يُسمح لطبيب أن يصف دواءً يهلك به المريض، وكان واجبًا على الطبيب أن يعرف منافع ومضار الدواء قبل وصفه. على عكس عصرنا الذي يشهد سحب أدوية قاتلة من الأسواق بعد أن تقتل مئات الآلاف.

بين الجهل وسوء الفهم

كثير من الناس اليوم يقرأون كتب الطب القديم دون علم فيفرحون بالمعلومة لكن يُخطئون في التطبيق. مثل من يشرب البابونج لصداعه، بينما صداعه حار صفراوي، فيزداد مرضه بدل أن يتحسن. السبب ليس في الطب، بل في الجهل بالتمييز بين العلل الحارة والباردة.

 

تاريخ طبّ الأخلاط وصراعه مع الطب الغربي

طبّ الأخلاط ليس مجرد معرفة ببعض الأعشاب كما يتصور البعض، بل هو علم له أصول عظيمة وقواعد دقيقة. حتى إنّ أبقراط نفسه كان يقول: “العمر كل العمر لا يسع دراسة الطب”، وذلك لأن هناك آلافًا مؤلّفة من الأعشاب والمواد الطبية. ومع ذلك، كان الإمام الرازي يقول: “يكفي الطبيب أن يعرف تفاصيل عشبة واحدة بأفعالها وقواها ومنافعها وأضرارها”، فإذا درسها بإتقان صار قادرًا على التداوي بها. لكن هذا لا يعني أن دراسة الطب كانت سهلة أو قصيرة؛ بل كان الأطباء في الماضي يقضون نحو خمسة عشر عامًا قبل أن يُعترف بمهارتهم وبراعتهم في ممارسة هذا العلم.

 

الهجوم على طب الأخلاط في أوروبا

في أوروبا، كانت اللجان الطبية قائمة على مبادئ طب الأخلاط. غير أنّ القرن الرابع عشر شهد تحوّلًا حين ظهر فرانسيسكو بترارك، الذي بدأ حملة عنيفة لكسر الهيمنة العربية على الطب الأوروبي. فهاجم أطباء الأخلاط في زمانه، وطالب بترك كتب الطب العربي والعودة فقط إلى أبقراط وجالينوس. لكن دعوته لم تلقَ صدى واسعًا، لأن أوروبا كانت حينها غارقة في الانحطاط الثقافي والاقتصادي.

التحوّل الحقيقي حصل مع الثورة الصناعية، إذ ساعد صعودها على تقويض مكانة طب الأخلاط. ثم ظهر أشخاص آخرون مثل سوس، الذي أحرق كتب جالينوس وابن سينا وسائر كتب الطب العربي، معلنًا أن أوروبا تحتاج إلى طبّ جديد يتوافق مع نهضتها ولا يريد العودة إلى موضوع الأخلاط.

من المجهر إلى نظرية الجراثيم

ظلّت هذه المحاولات محدودة الأثر حتى جاء اكتشاف المجهر، فبدأ التغيير الجذري في التصورات الطبية. ففي القرن التاسع عشر، قام الكيميائي لويس باستور في جنوب فرنسا بدراسة فساد الكحول، فاكتشف كائنات مجهرية تتحرك، وظن أنها السبب في تعفن الخمر. ومن هنا وضع فكرة قتلها بالتسخين (البسترة). ثم جاء الطبيب الألماني روبرت كوخ، فربط هذه النظرية بالأمراض، وأعلن أن الجراثيم هي المسبب المباشر لها.

غير أنّ هذه النظرية لم تكن كاملة؛ فقد تجاهلت أن التغيّرات يمكن أن تكون ناتجة من الداخل، من تغيّر الأخلاط نفسها، وليس فقط من هجوم خارجي. حتى في أمثلة بسيطة كالحليب، ظنوا أولًا أن البكتيريا الخارجية هي ما يحمضه، ثم تبيّن لاحقًا أن الأمر يرجع إلى تفاعل داخلي (اللاكتيك) يتأثر بالحرارة والرطوبة، وهو ما يتوافق مع مبادئ الأخلاط.

تطابق بين الأنسجة والأخلاط

مع تطور علم الأنسجة بفضل المجهر، اكتشف الأوروبيون أن أنسجة الجسم أربعة: النسيج العضلي، والعصبي، والضام، والطلائي. وهذا يطابق تمامًا تقسيم الأطباء القدامى للجسم بحسب الأخلاط الأربعة: فالنسيج العضلي حار رطب، والضام بارد رطب، والعصبي بارد يابس، والطلائي حار يابس. لكن رغم هذا التطابق، رفضوا العودة إلى طب الأخلاط.

الطب الحديث وأزماته

بعد سيطرة نظرية الجراثيم، شاع الاعتقاد بأن كل الأمراض تأتي من الخارج. لكن سرعان ما اصطدموا بواقع أن أمراضًا كثيرة – مثل القلب والسكري والصداع والصرع – ليست مرتبطة بميكروبات خارجية. فاضطروا لتقسيم الأمراض إلى قسمين: أمراض بسبب الكائنات الحية الدقيقة، وأخرى مجهولة السبب! حتى اليوم لا يعرفون علاجًا جذريًا لآلام الرأس، فلجأ بعضهم إلى إنشاء منتجعات للراحة في الغابات.

الاستعمار ونشر الطب الحديث

مع صعود الاستعمار، استُخدم الطب الحديث كوسيلة لكسر الهيمنة الإسلامية، ففُرض على البلاد العربية والإسلامية، وحُظر العمل بطب الأخلاط. في أوروبا وأمريكا، وُضعت القوانين التي تُجرّم من يمارسه، بل ويُسجن من يعمل به.

محاولات الإحياء

رغم هذا، عادت محاولات إحياء هذا العلم. ففي الصين، بعد خروج الاستعمار، دعا ماو تسي تونغ إلى إحياء الطب التقليدي، فجمع الحكماء من القرى، وسمّوه "الطب الصيني"، وهو قائم على نفس أركان الأخلاط (الحار، البارد، الرطب، اليابس) لكنه شُوّه بمعتقدات باطلة. وفي الهند، عادوا إلى طب الأخلاط وسمّوه "الطب اليوناني"، لكنهم تأثروا بالغرب. أما الأيورفيدا الهندوسية فبُنيت على مبادئ الأخلاط، لكنها أخطأت في نفي خلط الدم.

أما في بلادنا، فقد بقيت المخطوطات نقية وصافية، وما زالت محفوظة في مكتبات العالم: في جامعة ييل بأمريكا، وفي ألمانيا، وفرنسا، وإنجلترا. وهذه المخطوطات تثبت أن الأصل الأرسخ والأصح هو طب الأخلاط، وأن كل ما سواه من تسميات – الطب الصيني، اليوناني، الأيورفيدا – إنما يقوم على نفس الأسس التي وضعها الأطباء المسلمون والعرب.

الخلاصة

إذن، تاريخ الطب يثبت أن الطب الحقيقي هو طب الأخلاط، وأنه طب عالمي نشأ مع الأنبياء، وتطور مع الحضارات، وازدهر في العالم الإسلامي، ثم حمله الأوروبيون إلى مدارسهم وجامعاتهم.

bottom of page