top of page

طب الأخلاط مدرسة واحدة

في زمن كثرت فيه الأصوات التي تُشوّش على الناس وتدّعي أن طب الأخلاط مدارس متباينة لا ضابط لها، تأتي هذه المقالة لتوضح بالحجة والبرهان أن طب الأخلاط مدرسة علمية واحدة، لها أصول راسخة وقواعد دقيقة لا تختلف بين الأطباء المهرة منذ أن أوحى الله بها إلى سيدنا آدم عليه السلام، وتتابع الأنبياء والعلماء في تطويرها والبناء عليها.

يُفند هذا المقال التصورات الخاطئة المتأثرة بالمدرسة الطبية الحديثة القائمة على التناقض والتجريب المتكرر، ويثبت أن طب الأخلاط قام على مبدأ الطبائع الأربع: الحرارة، البرودة، الرطوبة، اليبوسة، وأن الأطباء القدامى لم يختلفوا في هذه الأصول، بل كان اختلافهم في تفاصيل فرعية لا تمس بجوهر العلاج.

ويشرح المقال بدقة أقوال كبار الأطباء كالأهوازي وغيرهم، كما يُبرز أهمية التلقي العلمي المنضبط في هذا الطب، ويؤكد على ضرورة التشخيص الدقيق للأمراض، وأن من لا يعرف الأصول فهو عشّاب يضر ولا ينفع.

صفحات قديمة تُشبه المخطوطات الطبية التراثية والكتب اليدوية القديمة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

قد شاع في هذا الزمان أن طب الأخلاط مدارس متعددة والأطباء لهم آراء طبية مختلفة، فمن اتبع هذا الطبيب في رأيه فقد أصاب ومن اتبع الآخر فقد أصاب أيضا، وهذا في الحقيقة سببه عدم معرفة قواعد وأصول الطب القديم والتأثر بالمدرسة الطبية المعاصرة التي حصل فيها اختلاف في الآراء إلى حد التناقض منذ مائة سنة إلى الآن، حتى قيل إن هذا التناقض يغني الطب ويدل على تقدمه، لأنهم كل مدة يكتشفون ما يناقض ما كانت عليه النظريات السابقة، وهذا على عكس المدرسة القديمة في الطب التي لا تناقض فيها، لأنها بنيت على قاعدة الطبائع الأربعة الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة، من أساسها إلى فروعها ابتداء بما أوحي إلى سيدنا ءادم ثم ما زاده من جاء من بعده من الأنبياء مثل سيدنا إدريس وسليمان ثم ما زاد الناس من تجاربهم وخبراتهم على قاعدة الطبائع الأربعة عبر تاريخ البشرية إلى اكتمال أركانه وبنيانه في أمتنا الإسلامية، لذلك أحببت أن أبين في هذه الرسالة أن طب الأخلاط ليس مدارس متعددة بل هو مدرسة واحدة لها أصول وفروع معتمدة كمرجعية طبية وشرعية على مدى تاريخنا الإسلامي.

وقد أعجبني ما ذكره أحد كبار الأطباء القدماء وهو أبو علي الأهوازي ([1])  فيما كان عليه حذاق ومهرة الأطباء من القواعد والأصول الطبية، لذلك أحببت أن أشرح كلامه وأعلق عليه.

قال أبو علي الأهوازي في كتابه كامل الصناعة في تعليقه على كتاب الحاوي لأبي بكر الرازي لذكره أقوال كثير من الأطباء في كل العلل وهي متشابهة ما نصه: " وقد ینبغي أن تعلم أن حذاق الأطباء ومهرتهم  متفقون فی وصفهم لطبائع الأمراض وأسبابها وعلاماتها ومداواتها، ولیس بینهم خلاف فی ذلك ([2])  إلّا بالزیادة والنقصان أو فی بعض الألفاظ، ([3]) إذ کانت القوانین والطرق التی یسلکونها فی معرفة الأمراض والعلل وأسبابها ومداواتها طرقاً یتداولونها بأعیانها، ([4]) وإذا کان الأمر کذلك فما الحاجة إلی أن یؤتی بأقاویل القدماء والمحدثین من الأطباء وتکرار أقاویلهم إذ کان کلّ واحد منهم یأتي بمثل ما أتی به الآخر، فإنّه لا خلاف بینهم فی طبائع الأمراض وأسبابها وعلاماتها إلّا بالزیادة والنقصان واختلاف الألفاظ، ([5]) وإن خالف بعضهم بعضاً فی استعمال أنواع الأدویة، فلیس یخالف فی قواها ومنافعها بمنزلة السفرجل والکمثری ([6]) والزعرور ([7]) وبمنزلة الزنجبیل والفلفل والدار فلفل، ([8]) فإن هذه وإن کانت مختلفة الأنواع فلیست بمختلفة القوی والمنافع إلّا بالزیادة والنقصان فی ذلك " اهـ ([9])

أقول كلام الأهوازي معناه أن مدرسة طب الأخلاط مدرسة واحدة متفق عليها عند حذاق الأطباء ومهرتهم وقد يحصل اختلاف في بعض الأمور التي لا تمس بجوهر العلاج ولا تؤدي إلى الإضرار بالمرضى لأنهم متفقون على معرفة أسباب الأمراض المزاجية الحارة أو الباردة أو الرطبة أو اليابسة، باتفاقهم على علامات الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة، وهذا كله مدون مكتوب في مئات المخطوطات الطبية القديمة على مدى أكثر من ألف عام من تاريخ هذه الأمة.

 

مجتهدوا الفقهاء والأطباء

فإن قيل: أليس المجتهدون من الفقهاء يختلفون فكيف الأطباء لا يختلفون ؟

قلت: المجتهدون يختلفون واختلافهم رحمة ليس فيه ضرر ببدن الإنسان،  أو ضياع للأحكام الشرعية، والأطباء يختلفون فيما ليس فيه ضرر ببدن الإنسان أو ضياع للأحكام الطبية الشرعية، مثل اختلافهم في المهضم فمنهم من قال هو أربع المعدة والكبد والعروق والأعضاء وغير ذلك وقول الجمهور أنه خمس الفم والمعدة والكبد والعروق والأعضاء.

ومثل اختلافهم في تعريف الخراج فجمهور الأطباء أنه كل ورم أخذ في جمع المادة سواء كان حارا أو باردا ومنهم من قال الخراج ورم كبير حار في داخله موضع ينصب إليه المادة ويتقيح.

ومثل اختلافهم في حركة النبض فقال بعضهم هو حركة أينية للشريان وأما المشهور عند الجمهور بأن النبض حركة مكانية. 

ومثل اختلافهم في تعريف علة الحفر فقال بعضهم جسم بخاري یستحجر علی أصول السن بعد تصاعده وانعقاده في نحو النوم وترك الأکل، ومنهم من قال هو تغیر لون جوهر السن بشرط النفوذ.  

ومثل اختلافهم في ماهية الصداع الذي يقال له البيضة ([10]) منهم من قال هذا صداع بارد لأن علاماته تدل على االبرودة، ومنهم من قال يكون صداعا باردا بعلامات البرودة ويكون حارا بعلامات الحرارة.

ومثل اختلافهم في استعمال لفظ الخناق ([11]) والذبحة  ([12]).

ومثل اختلافهم في أن النافض ([13]) في الحمى الصفراویة أشدّ أو في البلغمیة.

كل هذه الاختلافات وأمثالها لا ضرر فيها على المرضى، أما الأصول الأربعة أي الطبائع الأربعة ومدلولاتها فحذاق الأطباء ومهرتهم لا يختلفون فيها، لأنه لو كان هناك خلاف في الأصول فجماعة قالوا هذا المرض حار ومدلولاته كذا، وءاخرون قالوا هذا المرض بارد بنفس المدلولات، لضاع الحكم الشرعي إن مات المريض ورفع الأمر إلى القاضي، لأن المرض إما أن يكون حارا أو باردا، ولا يكون حارا وباردا بنفس المدلولات، فإن مات المريض بعد أخذ الدواء الحار لكون الطبيب حكم على المرض بأنه بارد، كيف يحكم القاضي الشرعي بأن الطبيب أخطأ وهناك جماعة تقول المرض حار!!!، لذلك هذا ليس موجودا في قواعد مهرة الأطباء وحذاقهم لأنها واحدة ومدلولاتها واحدة، وعليها تبنى الأحكام الشرعية.

وهذا لا يعني أنه لا يحصل خلاف بين الأطباء في تشخيص المرض، فقد يخطىء طبيب غير متمكن في معرفة سبب مرض ما بأن يحكم عليه بأنه بارد وهو في الحقيقة حار، فيعطي المريض دواء حارا فيزداد مرضه، ويصيب ءاخر في معرفة سبب نفس المرض ويحكم عليه بأنه حار ويعطي المريض دواء باردا فيشفى.

 

الاختلاف في طبائع بعض الأعشاب

فإن قيل: أليس في كتب الطب خلاف في طبائع بعض الأعشاب هل هي حارة أو باردة أو رطبة أو يابسة فكيف تستعمل في العلاج مع وجود هذا الخلاف ؟

قلت: هذا كثير في كتب الطب وهو بحسب الظاهر خلاف ولكن في باطنه اتفاق، فإن لهم قواعد وأصولا اعتمدوها وتوافقوا عليها يعرف بها قوى الأدوية، فقد تكون عشبة زرعت في أرض باردة في بلاد باردة، ومثلها زرعت في أرض حارة في بلاد حارة، فيتأثر مزاجها بحسب الأرض فيحكم الأطباء بحسب أصولهم وقواعدهم على مزاجها الغالب، مثال ذلك الهندباء ذكر الأطباء أنها باردة ولكن إن اشتدت مرارتها في الصيف بسبب حرارة الأرض التي زرعت فيها يصير فيها حرارة، فيحكم بحرارتها بحسب قوة المرارة وضعفها، لأنه إن  كان طعم النبات بعد الحلاوة إلى مرارة فهو حار، وإذا كان طعمه بعد المرارة إلى حلاوة فهو بارد.

 

فالأطباء كما قلت لهم قواعدهم وأصولهم في معرفة قوى الأدوية عبر طريقين:

أحدهما التجربة: وهي امتحان فعل ما يورد على البدن، إما لتحقيق دلالة القياس عليه كما إذا دل قياس على برودة دواء فأردنا أن نحقق ذلك بامتحانه، أو بغير قياس كامتحان فعل الشىء في بدن الإنسان من غير قياس، ولكن الأسلم هو استعمال التجربة والقياس.

والثاني القياس: والمراد بالقياس الاستدلال على قوى الأدوية من مثل الطعم والرائحة واللون وسرعة الانفعال وبطئه، كما يستدل من الطعم المر والحريف على الحرارة، ومن العفص والحامض على البرودة وهكذا.

 

الطب الصيني وما يسمى الأيورفيدا والطب اليوناني

فإن قيل: أليس هناك الطب الصيني وما يسمى الأيورفيدا والطب اليوناني فكيف يكون طب الأخلاط هو المعتمد في القديم لوحده ؟

قلت: كل هذه المدارس عرفت بهذه الأسماء خلال حقبة الاستعمار للهند والصين واستمرت إلى الآن، أما قبل الاستعمار لم يكن إلا طب الأخلاط، لأن كل هذه المدارس تعتمد الطبائع الأربعة الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة في وصف الأمراض والعلاج، ولكن الطب الصيني أدخل فيه الصينيون معتقداتهم الفاسدة، مع تحريف لبعض قواعد طب الأخلاط، وما يسمى الأيورفيدا أدخل الهندوس معتقداتهم الفاسدة مع انكارهم لخلط الدم، وشذوذهم أكثر من جماعة الطب الصيني عن قواعد طب الأخلاط، وأما الطب اليوناني هو طب الأخلاط حافظ عليه المسلمون في الهند ولكن غيروا اسمه فقط وهم يدرسونه بتمامه من المخطوطات الطبية الهندية والعربية المترجمة عندهم إلى لغتهم ولهم فيه باع، لذلك مرجع الطب القديم كله هو طب الأخلاط.

 

طب الأخلاط متصل إلى زماننا هذا

قال الإمام الشيخ عبد الله الهرري رضي الله عنه : " الطب يحتاج إلى نقل كما أن علم الدين يحتاج إلى نقل " اهـ. يعني علم الطب ينقل من جيل إلى جيل بالتلقي كما أن علم الدين ينقل بالتلقي.

فإن قيل: نحن نعتقد أن طب الأخلاط أصله وحي ولكن الذي يعمل به اليوم ليس طب الأخلاط بل خزعبلات وخرافات.

قلت: هذا قول من لا يعرف الطب وأهله، ويفتي بهذا الكلام لجهله، فكيف لمن لا يعرف طب الأخلاط أن يقرر أنه منقطع !!!، هذا مثله مثل من لا يعرف علم النحو مثلا، لما رأى أن أكثر الناس لا يتكلمون اللغة العربية، بل عامية بلادهم، قال قد انقطع علم النحو ولم يعد له وجود، مؤكد هذا يدحضه وجود اللغويين وإن كانوا قلة، ووجود المخطوطات العلمية والكتب المطبوعة في علم النحو وما أكثرها، وهكذا يدحض كلام هذا الجاهل المنكر لوجود طب الأخلاط في زماننا وجود أطباء الأخلاط وإن كانوا قلة، ووجود المخطوطات العلمية والكتب المطبوعة في علم الطب وما أكثرها.

وأنا قد شرحت في محاضرات مسجلة  كل الأصول الطبية التي ذكرها الطبيب الصالح ابن النفيس في كتابه الموجز في الطب، على قناتي على التلغرام " قناة إحياء طب الأخلاط في أمتنا " فمن شاء فليستمع حتى يتعلم، فإن شفاء الجهل العلم.

وأقول لكل من يسمع من الجهال إن طب الأخلاط انقطع، دقق وحقق وطالع المراجع الطبية المطبوعة والمخطوطة وهي مئات تجدها كما أدرس في محاضراتي تماما، متشابهة متعاضدة غير متنافرة منذ أكثر من آلف سنة من تاريخ أمتنا.  

 

الأحكام الشرعية على قواعد طب الأخلاط

ولأن دلائل الطبائع الأربعة الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة متفق عليها كان إقامة الأحكام الطبية المتعلقة بالشرع بناء عليها، مثال ذلك مسألة العنين أي الضعيف عن الجماع إذا طلبت زوجته من القاضي أن يفرقهما يؤجله سنة ([14]) لأن عدم قدرته على الجماع قد تكون لعارض حرارة فيزول في الشتاء، أو برودة فيزول في الصيف، أو يبوسة فيزول في الربيع، أو رطوبة فيزول في الخريف، فإذا مضت سنة ولم يطأ زوجته علم أن عجزه خلقي، فيفرق القاضي بينهما.

لأن ما هو مقرر في طب الأخلاط أن الشتاء بارد رطب، والربيع معتدل الحرارة رطب، والصيف حار يابس، والخريف بارد يابس، فإذا مر عام فشفي من مرضه في الربيع تبين أن مرضه بسبب السوداء الباردة اليابسة، أو في الشتاء تبين أن مرضه بسبب الصفراء الحارة اليابسة وهكذا. 

فلو كان هناك خلاف في الأصول فجماعة قالوا هذا المرض حار ومدلولاته كذا، وءاخرون قالوا هذا المرض بارد بنفس المدلولات، لضاع الحكم الشرعي، لأن المرض إما أن يكون حارا أو باردا، ولا يكون حارا وباردا بنفس المدلولات، فإن مات المريض بعد أخذ الدواء الحار لكون الطبيب حكم على المرض بأنه بارد، كيف يحكم القاضي الشرعي بأن الطبيب أخطأ وهناك جماعة تقول المرض حار!!!، لذلك هذا ليس موجودا في قواعد مهرة الأطباء وحذاقهم لأنها واحدة ومدلولاتها واحدة.

على قواعد هذا الطب تقام الأحكام الشرعية التي تتعلق في كل أمراض سوء المزاج ([15]) الحارة أو الباردة أو الرطبة أو اليابسة، فإن أخطأ الطبيب فأعطى دواء حارا لعلة باردة، كأن أعطى مريضا عنده صداع شديد بسبب غلبة الصفراء أي الحرارة واليبوسة دواء حارا يابسا حتى حصل ورم في الرأس بسبب ذلك ومات المريض، يقام عليه الحكم الشرعي بالرجوع إلى قواعد وأصول طب الأخلاط حتى يتبين أن الطبيب أخطأ، فالصداع نعرف أسبابه وعلاجه بالرجوع إلى قواعد وأصول طب الأخلاط، أي بمعرفة علامات الصداع الدالة على الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة.

 

الصداع الدموي والصفراوي والبلغمي والسوداوي

وحتى يكون المثال واضحا أقول: الصداع له أسباب عدة ومن هذه الأسباب أسباب خلطية متفق عليها عند الأطباء فقد يكون من غلبة الدم أو الصفراء أو البلغم أو السوداء.

فما كان سببه غلبة الدم أي الحرارة والرطوبة علاماته: حمرة الوجه والعين بسبب حمرة لون الدم، وانتفاخ الوجه وأجفان العين بسبب الرطوبة، وثقل عظيم في الرأس لزيادة وزنه بامتلائه من الدم، وضربان أي حركة شديدة للشرايين وذلك لشدة الحاجة الى جذب الهواء البارد، وعظم النبض أي أن يكون طويلا عريضا شاهقا. ([16])

فإذا كانت العلامات تدل على الدم فالعلاج بالضد: بالتقليل من الدم بفصد القيفال ليجذب المادة من الرأس فقط واستعمال الأدوية الباردة اليابسة كالتمر الهندي مع قليل سكر، أو العدس المقشر بماء الرمان أو الحصرم، ويطلى الرأس بالأطلية المتخذة من دقيق الشعير مثلا.

ثم يبدل المزاج بالأغذية الباردة اليابسة مثل العدس والفول اليابس وخبز الشعير والخل وغيرهم.

وما كان سببه غلبة الصفراء أي الحرارة واليبوسة علاماته: شدة حرارة الرأس، والعطش، لأن الصفراء أشد حرارة من سائر الأخلاط، والاستراحة من الأشیاء الباردة ویبس الخیاشیم ومرارة الفم، لأن ما ینزل من الدماغ إلی الحنك من الفضول یکون مختلطا بالصفراء وهی المرة، ([17]) والسهر لیبس الدماغ وحرارته.

وسرعة النبض ([18]) وسببه هاهنا شدة حرارة الصفراء المستلزمة لکثرة الحرکة ولشدة الحاجة إلی جذب الهواء البارد وشدة یبوستها المستلزمة لصلابة الآلة وعصیانها عن الانبساط التام، فیصیر النبض لذلك سریعا لیتدارك بالسرعة ما یفوته من العظم، ([19]) وصفاء القارورة ([20]) لترقي المادة إلی الدماغ للطافتها وشدة حرارتها، ویکون لون الوجه ضاربا إلی الصفرة، لأن الصفراء بسبب لطافتها تنفذ إلی ظاهر الجلد وتجعله أصفر.

فإذا كانت العلامات تدل على الصفراء فالعلاج بالضد: استفراغ ([21])  الصفراء بمثل التمر الهندي، والسبستان مع الترنجبین، واستعمال الأدوية الباردة الرطبة مثل البنفسج والنيلوفر، وينبغي أن تكون المبالغة في التبريد هاهنا أكثر من الدموي.

ثم تبدیل المزاج بالأغذية الباردة الرطبة مثل السمك والألبان والأجبان الحلوة والبطيخ الأحمر وغيرهم 

وما كان سببه غلبة البلغم أي البرودة والرطوبة علاماته: الثقل فی الرأس لزیاده وزنه بالامتلاء وانغمار الحرارة بکثرة المادة ولضعف القوة بکیفیتها المضادة للروح والحرارة الغریزیة ([22])  لضعف الأعصاب لرطوبتها وبرودتها فإن قوتها بالحرارة والیبوسة وقد انتفتا فتعجز عن حمل الرأس، والنوم الطویل الغرق لإسترخاء الأعصاب لرطوبتها وبرودتها، ورطوبة المنخرین والفم لأن فضلات الدماغ تندفع إليهما، وبطء النبض ([23]) وسببه هنا قلة الحاجة إلی الترویح للبرودة وضعف القوة، لأن ملاکها الحرارة، وبیاض القارورة لبیاض الخلط الغالب وعدم الحرارة الصابغة، لأن الصفراء تصبغ البول باللون الأصفر.

فإذا كانت العلامات تدل على البلغم فالعلاج بالضد: استفراغ البلغم بمثل شحم الحنظل لأنه حار يابس يسهل البلغم، بعد تعديل قوام المادة بالأدوية الحارة اليابسة مثل الأنيسون والبابونج، والغراغر الحارة اليابسة المتخذه من الخردل والصعتر مع العسل.

ثم تبديل المزاج بالأغذية الحارة اليابسة مثل العسل والصعتر ولحم العصافير والملفوف وغيرهم.

وما كان سببه غلبة السوداء أي البرودة واليبوسة علاماته: ثقل فی الرأس لکثرة المادة الغلیظة وبرودتها، لکن أقل من البلغمی لیبسها وقلة مقدارها في البدن بالنسبة إلیه مع یبس الخیاشیم والعین بسبب البرودة واليبوسة، وسهر وميل اللون إلى السواد لما یتلون الجلد بلون الخلط الغالب، وجفاف الرأس، وضيق النبض ([24])  وسببه هاهنا صلابة الآلة لکثرة الیبس والجفاف فلا یمکن أن یستعرض لأن العرض يحتاج إلى لين الشريان واللين يحتاج إلى رطوبة، وبطؤه لقلة الحاجة إلی الترویح، ([25]) وبیاض القارورة ورقتها لتحجر السوداء وعدم اندفاع شیء منها إلی الماء، وإنما یکون هذا عند عدم النضج وأما بعد کمال النضج فیکون أسود غلیظ القوام لکثرة ما یختلط به منها.

فإذا كانت العلامات تدل على السوداء فالعلاج بالضد: بعد النضج التام بطبیخ بالأدوية الحارة الرطبة مثل طبیخ الزبیب ولسان الثور وإخراج السوداء بالأفتیمون مع الترنجبین.

ثم تبدیل المزاج بالأغذية الحارة الرطبة مثل لحم الدجاج وصفار البيض والبرغل والجزر وغير ذلك.

 

خاتمة

أقول لا ينبغي لمن كان جاهلا في طب الأخلاط أن يشوش الناس بالطعن فيه، فهو مسؤول يوم القيامة عن أقواله، لأن هذا الطب تعلمه فرض كفاية، فإن كان الإنسان جاهلا بحقيقته فليتق الله وليقف عند الحد الشرعي، ولينصف نفسه وليقل إن سئل أنا لا أعلم، ونصيحتي إلى كل من يريد أن يعمل بهذا الطب أن يتعلم من طبيب ثقة متمكن ، لأنه من غير معرفة الأصول الطبية والأمراض الجزئية لا يكون الشخص طبيبا، ومن لم يشخص المرض هل هو حار أو بارد أو رطب أو يابس تكون أخطاؤه في العلاج أكثر من إصابته، كما ذكر الحافظ السيوطي في شرح كتابه: إتمام الدراية لقراء النقاية بقوله: " وتشخصه أي المرض أصل العلاج وإلا فمن عالج بلا تشخص خطؤه أقرب من إصابته ". اهـ ، أقول: هذا ما ابتليت به الأمة في هذا الزمن، حيث إن أكثر من يعمل في مداواة الناس بالأعشاب ونحوها يصف الدواء من غير تشخيص للمرض، فتكون أخطاؤه كثيرة وإصاباته قليلة، وهذا التشخيص يكون بمعرفة ماهية المرض والعلامات الدالة على أنه حار أو بارد أو رطب أو يابس، وذلك يكون بمعرفة الأعراض الظاهرة على الجسم وصفة النبض والبول والبراز، ثم بعد ذلك يصف الدواء بالضد، فمن أراد أن يتعرض لمداواة الناس بالأعشاب ونحوها لا بد أن يتعلم طب الأخلاطـ، الأصول والأمراض الجزئية وهي حوالي ثمانمائة مرض بعلاماتها وأسبابها وعلاجاتها، وإلا فهو عشاب يعرض نفسه لمعصية الله والإضرار بالناس. 

                                                                  

 (

[1]) هو أبو الحسن علي بن عباس الأهوازي من أشهر أطباء الدولة العباسية في طب الأخلاط خلال القرن الرابع الهجري، إنجازاته العلمية أعطته مقامه الأول بين أطباء عصره ومن سبقه ومن جاء بعده من أطباء الشرق والغرب، وكتابه " كامل الصناعة الطبية " أو " الكتاب الملكي " كما اشتهر، صار مرجعا لجميع أطباء الشرق والغرب على السواء.  

 

 ([2]) أي لا خلاف بينهم في طبائع الأمراض وأسبابها هل هي حارة أو باردة أو رطبة أو يابسة، والعلامات الدالة على الأسباب هل هي حارة أو باردة أو رطبة أو يابسة، ومداواتها بإعطاء الدواء الحار للبارد والرطب لليابس والعكس ، وأما في ما لا يتعلق بالطبائع من توصيف الأسباب فقد يختلفون فيها، وأما ضعاف الأطباء فلا عبرة بمخالفتهم المتفق عليه بين حذاق الأطباء

 ([3]) أي إلا بزيادة ونقصان في الشرح أو يكون الخلاف في بعض الألفاظ

 ([4]) أي أن استدلالاتهم كلها واحدة متداولة بينهم بأعيانها تتناقل من عصر إلى عصر

 ([5]) أي إذا كان الأمر كذلك فلا حاجة إلى تكرار كلام الأطباء المتأخرين والمتقدمين،  كما فعل الرازي في كتابه الحاوي، ولذلك  الأهوازي كتب كامل الصناعة من غير تكرار لأقوال الأطباء لأنها متشابهة في توصيف طبائع الأمراض وأسبابها وعلاماتها حارة كانت أو باردة أو رطبة أو يابسة

 ([6]) السفرجل الحامض والكمثرى الحامض الذي يسمى في الشام انجاص

 ([7]) السفرجل والكمثرى والزعرور مزاجهم بارد يابس

 ([8]) الزنجبیل والفلفل والدار فلفل مزاجهم حار يابس

 ([9]) أي هذه الأدوية وإن كانت مختلفة بأنواعها غير أن حرارتها وبرودتها متقاربة وخواصها إما أزيد من بعضها أو أنقص وهذا لا يؤثر على العلاج بشكل عام، ولا يقال أن الأطباء اختلفوا إن استعمل طبيب السفرجل لمرض حار آخر الزعرور مثلا، أو استعمل طبيب الزنجبيل لمرض بارد و آخر الفلفل مثلا

 ([10]) في مصطلح الأطباء البيضة ( سمي البيضة والخوذة والسلاح، ويقال له الخوذية ): صداع مشتمل على الدماغ كله كاشتمال بيضة الحديد على الرأس كله، لابث، ثابت، مزمن، يهيج كل ساعة، مع كراهة الضوء والكلام، ينوب بأدوار، ويطلب صاحبه الظلمة والوحدة

 ([11]) في مصطلح الأطباء الخناق: بالضم كغراب، ورم في عضلات الحنجرة والنغنغ ( اللوزتين ) ، يمتنع منه نفوذ النفَس إلى الرئة والقلب منعا غير تام، وقد يكون عن انطباق بسبب زوال بعض فقرات العنق من ضربة أو سقطة، وإما عجز القوة المحركة لآلات النفس عن التحريك ليبس أو استرخاء

 ([12]) في مصطلح الأطباء الذُّبَحة: بضم الذال وفتح الباء، والعامة تسكن الباء، ورم حار في العضلات من جانبي الحلقوم التي بها يكون البلع، وعلامتها أن لا يقدر على البلغ ولا على التكلم، وقد تطلق الذبحة على الاختناق أيضا، وقيل: هي ورم في اللوزتين، وهي من أنواع الخوانيق

 ([13]) في مصطلح الأطباء النافض: هو اهتزاز يحصل للبدن مع حركات غير إرادية

 

 ([14]) كما في كتاب نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج لشمس الدين الرملي: وإذا ثبتت العنة بوجه مما مر ضرب القاضي له سنة ولو قنا كافرا إذ ما يتعلق بالطبع يستوي فيه القن وغيره بطلبها لقضاء عمر رضي الله عنه بها وحكي فيه الإجماع وحكمته مضي الفصول الأربعة إذا تعذر الجماع إن كان لعارض حرارة زال شتاء أو برودة زال صيفا أو يبوسة زال ربيعا أو رطوبة زال خريفا فإذا مضت السنة علم أن عجزه خلقي

 ([15]) في مصطلح الأطباء سوء المزاج: أن يغلب على العضو حر أو برد فلا يمكنه أن يعمل ما كان يعمله قبل على اعتداله الذي كان عليه، فيقال: سوء مزاج حار،وسوء مزاج بارد، وهو خروجه عن الاعتدال

 ([16]) في مصطلح الأطباء النبض الطويل الذي يكون أطول من أربع أصابع باليد المعتدلة العريض أعرض من أنملة الأصبع الشاهق المرتفع

 ([17]) في مصطلح الأطباء المرة: إحدى الطبائع الأربع والمرة في اللغة القوة والشدة وأطلقت على الصفراء لأنها أقوى الأخلاط وعلى السوداء أيضا لأنها أشدها لاقتضائها للسمك والثبات والصلابة

 ([18]) في مصطلح الأطباء النبض السريع هو الذي يتمم الحركة الانبساطية في مدّة قصيرة، أي هو الذي يكون زمان حركته قصيرا جدا بالنسبة للنبض المعتدل

 

 ([19]) في مصطلح الأطباء النبض العظيم هو الزائد في الطول والعرض والشهوق

 ([20]) أي قارورة البول

 ([21]) في مصطلح الأطباء الاستفراغ: هو خروج الفضلات عن البدن من غير معالجة، كالرعاف والخلفة والقيء والعرق وما أشبه ذلك، والاستفراغ هو انتفاض مواد البدن، والاستفراغ الكلي قد يعنى به ما يكون من البدن كله، فيكون الاستفراغ الجزئي ما يستفرغ من عضو مخصوص، كالسعوطات والعطوسات المستفرغة من الرأس وحده، وقد يعنى به ما يستفرغ الأخلاط كلها، فيكون الاستفراغ الجزئي ما يستفرغ خلطا خاصا كما يكون بالإسهال والقيء

 ([22]) في مصطلح الأطباء الحرارة الغريزية: هي جوهر حار لذيذ هوائي لا حدة له ولا لذع ولا إحراق ولا تعفن ولا إفساد

 ([23]) في مصطلح الأطباء النبض البطيء هو الذي يتمم الحركة الانبساطية في مدة طويلة، أي هو الذي يكون زمان حركته طويلا جدا بالنسبة للنبض المعتدل

 ([24]) في مصطلح الأطباء النبض الضيق الناقص عن أطراف الأنامل بالعرض

 ([25]) أي التهوية

bottom of page