علاج المرضى أولا بالغذاء
منذ أقدم العصور، أجمع الأطباء المسلمون على أن الغذاء هو الأصل في الوقاية والعلاج، وأن اللجوء إلى الدواء لا يكون إلا عند الحاجة القصوى. فقد بيّن الأطباء أن كثيرًا من الأمراض تُدفع بالغذاء وحده، في حين قد يعجز الدواء وحده عن دفعها.
ويؤكد كبار العلماء مثل ابن النفيس وقطب الدين الشيرازي أن تدبير الغذاء هو الطريق الأقرب إلى السلامة والأخف على المريض، وأن الانتقال إلى الدواء لا يكون إلا عند تعذّر العلاج بالغذاء.
في هذا المقال نستعرض أقوال الأطباء حول العلاج بالغذاء، ثم نشرح كيف يتوافق نوع الطعام مع طبيعة كل مزاج (دموي، بلغمي، صفراوي، سوداوي)، لنفهم كيف يمكن للغذاء أن يكون ركنًا أساسيًا في الصحة والعلاج.

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد:
قال الأطباء متى أمكن التداوي بالأخف لا ينتقل إلى ما فوقه فمتى أمكن التداوي بالغذاء([1]) لا ينتقل إلى الدواء([2]) ومتى أمكن بالدواء المفرد فلا يعدل إلى المركب، وقالوا كثير من الأمراض تندفع بالغذاء لوحده ولا تندفع بالدواء لوحده، لذا لا غنى عن الغذاء لعلاج الأمراض.
ابن النفيس والشيرازي وكلامهما في العلاج بالغذاء
قال ابن النفيس([3]) في كتابه شرح كليات القانون ما نصه: الأدوية إنما يحتاج إليها عند تعذر تعديل الأخلاط([4]) بالغذاء، فإن استطاع الطبيب التعديل بالأغذية فهو أولى وأقرب إلى السلامة وقال في كتابه الموجز في الطب([5]) ما نصه: وحيث أمكن التدبير بالأغذية فلا تعدل إلى الأدوية.
وقال قطب الدين الشيرازي([6]) في شرح كليات القانون ما نصه: وإذا أمكنه ( أي الطبيب ) أن يعالج بالغذاء فلا يقرب الدواء ولا يعالج بالدواء الغذائي ما أمكنه بالغذاء الدوائي ولا بالدواء المفرد ما أمكن بالدواء الغذائي ولا بالدواء المفرد القوي ما أمكنه بالدواء المفرد الضعيف ولا بمركب مجرب قليل الأجزاء ما أمكن بالدواء المفرد القوي ولا بكثير الأجزاء ما أمكن بقليل الأجزاء.
شرح كلام ابن النفيس والشيرازي
أقول الطبيب يبدأ علاج المرضى بالغذاء لأنه انسب وأخف على جسم الإنسان، فإن عرف الطبيب كيف يعالج بالغذاء كان أسلم وأهون على المريض، وإذا أفلح في هذا لا ينبغي أن يقرب الدواء بل يكتفي بالغذاء، والمراد بالغذاء أي الغذاء الدوائي أو الدواء الغذائي وليس الغذاء المطلق، الغذاء الدوائي أي الغذاء الذي يؤثر بمادته أكثر مما يؤثر بكيفيته، والدواء الغذائي أي الغذاء الذي يؤثر بمادته أكثر مما يؤثر بكيفيته، فإن لم يفلح العلاج بالغذاء الدوائي ينتقل إلى العلاج بالدواء الغذائي، فإن لم يفلح ينتقل إلى الدواء المفرد الضعيف الكيفية كأن يكون في الدرجة([7]) الأولى من الكيفيات الأربعة وإلا بالدواء المفرد القوي كأن يكون في الدرجة الثالثة من الكيفيات الأربعة، فإذا لم يفلح انتقل إلى الدواء المركب، فإن كان هذا الدواء المركب أعشابه قليلة وتم المراد كان به، وإلا انتقل إلى دواء مركب كثير الأعشاب، هذه هي القواعد والقوانين عند الأطباء فمن التزم فاز وسعد.
إجماع الأطباء في طعام الدموي والبلغمي والصفراوي والسوداوي
وقد أجمع الأطباء على أن طعام دموي المزاج الحار الرطب ينبغي أن يكون باردا يابسا، لأن دموي المزاج معرض للأمراض التي يسببها غلبة الدم مثل انفتاح العروق وحصول النزيف، وذلك إذا تعرض لحرارة تجعل الدم يغلي، فالطعام البارد اليابس يطفئ حرارة الدم ويعدل كيفيته ويمنع حدوث الأمراض الدموية.
وطعام البلغمي البارد الرطب ينبغي أن يكون حارا يابسا، لأن بلغمي المزاج معرض للأمراض التي تسببها غلبة البلغم، مثل اللقوة([8]) والفالج([9]) وانسداد الشرايين بسبب لزوجة الدم من البلغم، فالطعام الحار اليابس المزاج يعدل برودة ورطوبة البلغم ويحلل لزوجة الدم ويمنع حصول السدد في الشرايين، ويمنع حدوث الأمراض البلغمية.
وطعام الصفراوي المزاج الحار اليابس ينبغي أن يكون باردا رطبا، لأن صفراوي المزاج معرض للأمراض التي تسببها غلبة الصفراء، مثل اليرقان الأصفر ([10])والصداع الصفراوي([11]) بسبب الحرارة العارضة فالطعام البارد الرطب المزاج يعدل حرارة ويبوسة الصفراء، ويمنع حدوث الأمراض الصفراوية.
وطعام السوداوي البارد اليابس ينبغي أن يكون حارا رطبا، لأن سوداوي المزاج معرض للأمراض التي تسببها غلبة السوداء، مثل السكتة الدماغية([12]) وانسداد الشرايين بسبب تجلط الدم من السوداء، فالطعام الحار الرطب المزاج يعدل برودة ويبوسة السوداء، ويحلل الجلطات الدموية ويمنع حصول السدد في الشرايين، ويمنع حدوث الأمراض السوداوية.
كما أن إجماع الأطباء على أن كثيرا من الأمراض تذهب بالغذاء لوحده ولا تذهب بالدواء لوحده، لأن المريض إذا كان سبب مرضه سوء مزاج سوداوي أدى إلى تجلطات وهو يأكل المآكل السوداوية، ولو أخذ الأدوية التي تسيل الدم لا يتم الشفاء، لأن السبب ما زال موجودا، وهكذا لو كان عنده سوء مزاج دموي أو صفراوي أو بلغمي.
خاتمة
كثير من الناس يستسهلون أخذ الدواء من دون الاعتناء بأمر الغذاء، حيث يعتبرون كل الأغذية تفيد البدن بشكل عام، فلماذا يمتنعون عن بعض الأغذية ولا يأكلونها، فينكرون على من يلتزم بتعديل الغذاء إما جهلا بقواعد الطب أو تعصبا للطب المعاصر الذي لا يراعي تدبير الغذاء غالبا، وقد قال طبيب العرب([13]) المعدة بيت الداء، لأن أكثر الأمراض تتولد من الأخلاط المتولدة من الطعام.
وفي كتاب مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح لملا علي القاري([14]) ما نصه: وعن عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما قال: " رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل الرطب بالقثاء " متفق عليه.
قال القرطبي: يؤخذ من هذا الحديث جواز مراعاة صفات الأطعمة وطبائعها، واستعمالها على الوجه الأليق بها على قاعدة الطب، لأن في الرطب حرارة، وفي القثاء برودة، فإذا أكلا معا اعتدلا، وهذا أصل كبير في المركبات من الأدوية.
أقول يفهم من هذا الكلام أن الأنسب للإنسان للحفاظ على الصحة مراعاة حرارة وبرودة ورطوبة ويبوسة الغذاء، بحيث يستعملها بما يناسبه على قواعد الطب فيأكل إن كان حارا الطعام البارد وإن كان باردا الطعام الحار وهكذا، وإن كان مريضا فمراعاة الغذاء أصل من أصول العلاج التي لا غنى للطبيب والمريض عنه.
وإننا إذا نظرنا فقط من باب تأثير الطعام على شرايين الجسم وعلى أحوال الأعضاء الداخلية وخاصة القلب، لوجدنا أن الطعام اليابس يضيق ويصلب الشرايين ويجفف الأعضاء الداخلية، وأن الطعام الرطب يلين الشرايين ويوسعها ويرطب الأعضاء الداخلية، لذلك الطعام يستعمل بقوانينه التي نص عليها الأطباء القدماء للسلامة من الأمراض والعلل عرف من عرف وجهل من جهل.
[1]في مصطلح الأطباء الغذاء المطلق: هو الغذاء الذي لا يوصف بإحدى الكيفيات أي يكون معتدلا بين الحرارة والبرودة الرطوبة واليبوسة، وإلا لكان غذاء دوائيا لا غذاء مطلقا، والغذاء المسخن أو المبرد أو المرطب أو المجفف زيادة على الاعتدال هو الغذاء الدوائي، وهو الذي يتغير عن البدن ويغير البدن، ثم يتغير ثانيا ويتشبه بالبدن، كاللحوم مثلا، والفرق بين الدواء الغذائي وبين الغذاء الدوائي أن الغذاء الدوائي: ما تغلب غذائيته على دوائيته، والدواء الغذائي: تغلب دوائيته على غذائيته، وأكثر الأغذية دوائية.
[2] في مصطلح الأطباء الدواء المطلق: هو ما يتغير عن البدن ويغيره، ثم يتغير ثانيا ولا يتشبه بالبدن ، وهذا لا يدخل فيه الدواء الغذائي ولا الدواء السمي ولا الدواء المعتدل يدخل في مطلق الدواء أيضا، وإنه إذا قيل له دواء فإنما هو بضرب من المجاز، وإن ذلك لا يقال له إلا مقيدا بأنه معتدل، وذلك لأن كون الشىء مما لا يؤثر في البدن أثرا زائدا على الذي للبدن مما ينافي أن يسمى دواء، فالدواء هو ما يزيد البدن حرارة أو برودة أو رطوبة أو يبوسة، كما يقال عن الدواء الذي له خاصية دواء.
[3] هو الشيخ علاء الدين أبو الحسن علي بن أبي الحزم ابن النَّفيس القرشي الشافعي إمام الأطباء بمصر في القرن السابع الهجري، كان إمام الطب في زمانه مع الحذاقة والفهم التام في الطب، له كتاب الموجز في الطب أوجز في كتاب القانون في الطب كما شرح كتاب الكليات من كتاب القانون، والمراد بالكليات أصول الطب ( مخطوط ).
[4] في مصطلح الأطباء الخلط: جسم رطب سيال يستحيل إليه الغذاء أولا وأخلاط البدن أربعة الدم والبلغم والصفراء والسوداء، فمن الخلط خلط محمود وهو الذي من شأنه أن يصير جزأ من جوهر المغتذي وحده أو مع غيره، وبالجملة يكون صالحا لبدل ما يتحلل منه، ومنه خلط رديء وهو الذي ليس من شأنه ذلك.
[5] كتابه هذا أوجز فيه كتاب القانون في الطب بما يفيد الطبيب متنا يحفظ ويرجع إليه.
[6] هو قطب بالدين محمود بن مسعود بن مصلح الشيرازي كان له دور كبير في الطب خلال القرن الثالث عشر، شرح كتاب الكليات من كتاب القانون في الطب لابن سينا، والمراد بالكليات أصول الطب ( مخطوط ).
[7] في مصطلح الأطباء الدرجة: بالتحريك، مراد الأطباء في أن الدواء في الدرجة الأولى: هو أن يؤثر في هواء البدن، وفي الدرجة الثانية: أن يتجاوز عنه ويؤثر في رطوبته، وفي الدرجة الثالثة: أنه يتجاوز عنه ويؤثر في الشحم، وفي الدرجة الرابعة: أنه يتجاوز عنه ويؤثر في اللحم والأعضاء الأصلية ويستولي على الطبيعة.
[8] في مصطلح الأطباء اللقوة: بالكسر علة آلية في الوجه ينجذب له شق من الوجه إلى جهة غير طبيعية فتتغير هيئته الطبيعية تزول جودة الشفتين والجفنين من شق.
[9] في مصطلح الأطباء فالج: بكسر اللام، استرخاء عام لأحد شقي البدن طولا من الرأس إلى القدم، واللغة موافقة لهذا المعنى، يقال: فلجت الشىء فلجتين، أي شققته نصفين، ومنهم من يقول: إنه استرخاء أحد شقي البدن دون الرأس، والقدماء لا يفرقون بينه وبين الاسترخاء، وقيل إذا أخذ الفالج بمعنى الاسترخاء مطلقا فقد يكون منه ما يعم الشقين جميعا سوى أعضاء الرأس التي لو عمها كان سكتة، كما يكون منه ما يختص بإصبع واحدة، وقيل الفالج: هو استرخاء جانب من البدن بكليته إن قيل مطلقا، فإن كان ببعض أعضائه قيل فالج عضو كذا مقيدا، وقيل: الفالج هو استرخاء العضو وبطلان حسه وحركته ويصير كالميت، إما لمرض يصيب أعضائه عن ضربة أو سقطة، وإما لخلط غليظ بارد ينصب على أصول العصب.
[10] في مصطلح الأطباء اليرقان: تغير فاحش من اللون إلى الصفرة أو سواد واجتماعهما، وسببه كثرة الصفراء والسوداء، وامتناع استفراغهما أو أحدهما، وأكثره قد يكون لأغذية، وقد يكون لغير ذلك.
[11] في مصطلح الأطباء الصداع: ألم في أعضاء الرأس أو في بعضها.
[12] في مصطلح الأطباء في كتاب اصطلاحات الطب القديم السكتة: بالفتح، أن يخر الإنسان كالميت، لا يتنفس، أو يتنفس تنفسا خفيفا لا يدرك إلا بحيلة، أو يغط غطيطا، فربما تراجع وبطل أحد شقيه، وربما اختنق ولم يفق، وهي تعطل الأعضاء عن الحس والحركة، للسدة الكاملة في بطون الدماغ الثلاثة ومجاري روحه، ويكون صاحبها كأنه نائم من غير نوم.
[13] الحارث بن كَلَدَةَ الثقفي، طبيب عربي مشهود له ببراعته في الطب، يعرف بـ «طبيب العرب» في وقته، عاش في العصر الجاهلي وأدرك الإسلام، وكان طبيبا ماهرا عارفا بالداء والدواء، حكيما فصيحا ناصحا، ترجم له أصحاب كتب الطب، أصله من ثقيف من أهل الطائف من بلاد الحجاز، سافر إلى أرض فارس، وأخذ الطب عن أهل تلك الديار من أهل جنديسابور وغيرها في الجاهلية وقبل الإسلام، وذكر ابن جلجل: إن الحارث تعلم الطب بناحية اليمن وفارس، وجاد في هذه الصناعة وطب بأرض فارس، وعالج وحصل له بذلك مال هناك، وشهد أهل بلاد فارس ممن رآه بعلمه، وكان قد عالج بعض أجلائهم فبرء، ثم إن نفسه اشتاقت لبني بلاده فرجع إلى الطائف واشتهر طبه بين العرب.
[14] هو نور الدين أبو الحسن علي بن السلطان محمد القاري، الهروي المعروف بملا علي القاري فقيه حنفي ماتريدي صوفي كان في القرن التاسع والعاشر الهجري.
.png)
%20(1080%20x%201920%20px.png)