أصول طب الأخلاط بالوحي
في زمنٍ كثر فيه الإنكار والادعاء بأن طبّ الأخلاط لا يمتُّ إلى الوحي بصلة، تأتي هذه المقالة لتبيّن بالأدلة الشرعية والنقلية أن أصول هذا الطب مستندة إلى تعاليم الأنبياء، وأنه ليس خرافة ولا بدعة كما يزعم بعض الجهلة.
يستعرض الدكتور هاني البطل في هذا المقال أقوال العلماء، وفتاوى الإمام عبد الله الهرري، وأقوال شُرّاح الأحاديث، ليثبت بالدليل أن طب الأخلاط علمٌ نافعٌ، وأصوله وحيٌ من عند الله، ابتدأ بسيدنا آدم واستمر بتفصيل من الأنبياء، وتوسّع فيه العلماء بالتجربة والفهم.

علاقة الطب النبوي بطب الأخلاط:
إن كتب شرح الأحادیث النبویة المتعلقة بالطب كلھا على قواعد طب الأخلاط، مثل كتاب الحافظ ابن حجر العسقلاني فتح الباري شرح صحیح البخاري، وكتاب الشیخ ملا علي القاري مرقاة المفاتیح شرح مشكاة المصابیح، وكتاب النووي في شرحه على صحیح مسلم، وكتاب إرشاد الساري لشرح صحیح البخاري للقسطلاني، فلیطالعھم من شاء.
فطب الأخلاط أصوله وحي، ومعنى الخلط في مصطلح الأطباء جسم رطب سیال، فسوائل الجسم یقال عنھا أخلاط، وھي أربعة: الدم وھو حار رطب، والبلغم وھو بارد رطب ، والصفراء وھي حارة یابسة، والسوداء وھي باردة یابسة، ھذه حقیقة شرعیة وطبیة وقد كان شیخنا رحمه الله یعتقد أن الإنسان خلق على الأخلاط الأربعة، وھكذا علماء أھل السنة والجماعة، فمن أنكر ذلك فھو جاھل كلامه غیر معتبر.
فقد ذكر الحافظ ابن الجوزي في كتابھ تلبیس إبلیس: أن لله عز وجل خلق بني آدم على الحرارة والبرودة والیبوسة والرطوبة، وجعل صحته موقوفة على تعادل الأخلاط الدم والبلغم والمرة الصفراء والمرة السوداء.
وقد ذكر الإمام الزبیدي في كتابه تاج العروس ما نصه: المزاج من البدن ما ركب علیه من الطبائع الأربع: الدم والمرتین والبلغم، وھو عند الحكماء كیفیة حاصلة من كیفیات متضادة. وفي الأساس یقال ھو صحیح المزاج وفاسده، وھو ما أسس علیه البدن من الأخلاط، وأمزجة الناس مختلفة، كذلك قال: أخلاط الإنسان أمزجته الأربعة التي علیھا بنیته.
كذلك ذكر الإمام فخر الدین الرازي في تفسیره ما نصه: وأما بدنك فاعلم أنه جوھر مركب من الأخلاط الأربعة.
وفي المصباح المنیر للفیومي ما نصه: الطبع الجبلّة التي خلق الإنسان علیھا، والطبیعة: مزاج الإنسان المركب من الأخلاط.
وقد أرسلت أسئلة للشیخ عبد لله رحمه الله عن طب الخلاط فأجاب عنھا منھا:
ھل علم الطب القدیم أول من عمل به الأنبیاء ؟
قال الشیخ : نعم ھو ھكذا، لولا الأنبیاء من أین الناس یھتدون إلیه، ثم الناس بالتجربة استحدثوا أشیاء .آدم علمھم أصوله ثم إدریس زاد ثم سلیمان أیضا زاد ثم الناس بالتجربة استحدثوا أشیاء كثیرة، سلیمان كان تنبت عشبة لما یصلي في مصلاه تقول لھ أنا خلقت لكذا وكذا.
الأمزجة والأخلاط بین حار وبارد ورطب ویابس من أول من جاء بھذا التفصیل وعلمه للناس ؟
قال الشیخ : ھذا من بعض الأنبیاء ثم یتوسع فیه الناس.
علم النبض ھل ھو بوحي من الله وإن كان بوحي على أي نبي نزل ؟
قال الشیخ : ھو لا بد أن یكون مبدؤه من نبي من الأنبیاء والتوسع في ذلك من غیره، آدم علیھ السلام لما خرج من الجنة لله تعالى علمھ صنعة كل شىء ھكذا ورد في الحدیث كل أصول المعیشة، لما أخرج لله آدم من الجنة زوده من ثمار الجنة، ثم التي نزلت من الجنة الفروع منھا تغیرت بعد أن نزلت ھنا تغیرت ما بقیت على صفتھا التي تكون علیھا في الجنة، تلك لا تتغیر ھذه تتغیر تتعفن إذا مضى علیھا وقت تلك ھناك لا تتغیر غیر أن ھذه تتغیر وتلك لا تتغیر، لما أخرج لله ءادم من الجنة زوده من ثمار الجنة وعلمه صنعة كل شىء غیر أن ثماركم ھذه تتغیر وتلك لا تتغیر ھكذا روى الطبراني.
كیف عرف مزاج الأعشاب والبھائم ھل ھو من طریق الأنبیاء ومن ھو ھذا النبي ؟
قال الشیخ: بعض الأشیاء منھم من طریق الأنبیاء ثم توسع فیھا الناس بالتجارب، انتھى كلام الإمام الھرري بنصه.
فتوى الشیخ عبد لله الھرري عام 2002 لمن یجوز لھ أن یطبب الناس مطبوعة ومنشورة بختم الشیخ رحمه الله تعالى
قال الإمام الھرري: "أجمع العلماء على أنھ لا یجوز معاناة- أي مباشرة- الطب لعلاج المرض لمن لیس لھ خبرة ولم یكن من الأطباء، قال رسول لله صلى لله علیھ وسلم:" من تطبب ولم یُعرف بھ فھو ضامن"، رواه أبو داود في السنن. ومعنى الحدیث: أن من لا یعرف خصائص الأدویة وأحوال الأمراض مع اختلاف الأوقات، یحرم علیه أن یباشر علاج المرض بالأعشاب ونحوھا. وھذه المعرفة، تأتي بالتلقي من أھل المعرفة الذین یعرفون طبائع الأمراض والأدویة، من حرارة وبرودة ویبوسة ورطوبة واختلاف الأزمان بالنسبة للأمراض والأدویة، فیحرم الاعتماد على مطالعة كتب الطب في معالجة الأمراض من غیر ذلك الشرط المتقدم. والاسترسال في ھذا من الكبائر، لأن فیھ التعرض لإتلاف النفوس والأبدان، فمن تعرض لذلك فلیتب إلى لله، ومن أخذ أُجرة على ذلك لم تَحِلَّ لھ تلك الأجرة. وبیع الدواء للمریض لیستعمله وھو لیس له ھذه الخبرة حرام علیه، إلا إذا باعه لیعرضه على الطبیب لیراجعه ثم یستعمله فإنھ یجوز.
وكثیر من الناس تعاطوا ھذا الطب من غیر معرفة فحصل على أیدیھم تلف، فویل لمن تعرض لھذا وھو لیس به خبرة كافیة. ولا یقل من لا یعرف الطب ولا قواعده" أنا أصف الدواء بناءً على استشارة طبیب على التلفون بدون أن یرى أو یعاین الطبیب الشخص المریض" فإن الطبیب قد یصف بناءً على الوصف الذي یُعطى له، ولو عاین الطبیب المریض لاختلف عنده تشخیص المرض، ولَوصَف لھ دواء غیر المذكور.
وقال ابن حجر: قال الأطباء "كُتُبُنَا سموم قاتلة" أي لمن لیس من أھل الفن، أي لمن یعتمد على كتب الطب ویداوي الناس أو یداوي نفسه، كأنھ یعطي لغیره السم أو یتناول السم، أي أن الدواء الواحد قد ینفع في وقت ولا ینفع في وقت، أو قد یضر شخصًا وینفع شخصًا لاختلاف أحوالھما. انتھى كلام الإمام الھرري.
ختاما كلام شیخنا الھرري رحمه الله تعالى واضح لا لبس فیه بأن أصول طب الأخلاط وحي وأن ھذا الطب ممتد من بدء البشریة حتى یومنا ھذا، وأن الشرط للمداوة ھو معرفة حال الطبائع الأربعة في بدن الإنسان الحرارة والبرودة والرطوبة والیبوسة لیعالج الطبیب بالضد.
ولا یخفى لكل من عرف الشیخ أنه كان یعرف ھذا الطب ویداوي نفسھ به ویسأل أطباء الأخلاط عن الدواء، ویلتزم بكثیر من العلاجات على قواعد طب الأخلاط، فلا یلتفت إلى من یطعن بطب الأخلاط لقلة درایته وعلمه بل یرد علیه بالردود العلمیة وما أكثرھا.
.png)
%20(1080%20x%201920%20px.png)