الفتوى في الزيتون الأسود
ُعَدّ تحديد مزاج الأغذية من المسائل الدقيقة في طبّ الأخلاط، إذ يترتب عليه معرفة فوائدها وأضرارها بحسب اختلاف أمزجة الناس وأحوالهم. ومن ذلك ما أثير حول طبيعة الزيتون الأسود: هل هو حار أم بارد؟ فقد وقع بعض الناس في الخطأ عند الاعتماد على نصوص مختصرة في كتب الطب القديمة دون الرجوع إلى باقي التفصيلات أو الجمع بين أقوال الأطباء، فحكموا على الزيتون الأسود بأنه بارد يابس، في حين أن نصوص كبار الأطباء كابن البيطار، وابن سينا، وابن النفيس، وغيرهم، تدل على أنه حار المزاج، مع فروق بين أنواعه ودرجات نضجه. ويهدف هذا المقال إلى بيان حقيقة الأمر من خلال عرض أقوال الأطباء المعتبرين وشرحها، لتصحيح الفهم وإزالة اللبس في هذه المسألة.

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله ، أما بعد :
فقد سألنا البعض عن الزيتون الأسود هل هو حار أم بارد ، لأن البعض قد أفتى بأن الزيتون الأسود بارد يابس .
فنقول لا ينبغي الاعتماد على كتب الطب من غير تلق لأن الأطباء القدماء قد يتركوا التفصيل في أمر لكونه معلوما عندهم فيقع الذي يعتمد على الكتب ببعض الأخطاء فكما قال الإمام ابن حجر:" قال بعض الأطباء كتبنا سموم قاتلة "، أي لمن لم يكن من أهل هذا الفن ، ولعل البعض قد طالع في كتاب تذكرة داوود الأنطاكي حيث يقول عن الزيتون ما نصه : والزيتون قد أجمع الجل على أنه بارد يابس في الثانية اهـ
ولكن قد غفل عن باقي كلام الأنطاكي حيث يكمل بعد عدة أسطر فيقول ما نصه : وهذا هو الزيتون الأخضر اهـ
ففي كتاب المعتمد في الأدوية المفردة ما نصه :
والزيتون الأخضر بارد يابس ...... والزيتون الأسود حارّ يابس ....... والأسود حارّ رطب، والأخضر ينفع من الصفراء، والأسود من السوداء، ويستعمل بقدر الحاجة اهـ.
وأما قول المعتمد ما نصه : والزيتون الأسود حارّ يابس، وهو أسرع انهضامًا من الأخضر، وإذا انهضم في المعدة انقلب إلى الـمِرة الصفراء، ثم تعفن فصار سوداء اهـ هذا معناه الإكثار منه لأصحاب المزاج الصفراوي ينقلب عندهم إلى سوداء، لأن الخلط الصفراوي إذا احترق انقلب سوداء وليس المراد منه الإطلاق فإن أكله صاحب المزاج البلغمي لا يولد له السوداء، لأنه لا يتولد من الصفراء السوداء إلا بالاحتراق .
وفي كتاب الجامع لمفردات الأدوية والأغذية لابن البيطار ما نصه : زيتون: جالينوس: في السادسة: ورق هذه الشجرة وعيدانها الطرية فيها من البرودة بمقدار ما فيها من القبض، وأما ثمرتها فما كان منها مدركاً نضيجاً مستحكم النضج فهو حار حرارة معتدلة، وما كان منها غير نضيج فهو أشد برداً وقبضاً اهـ
وفي كتاب القانون لابن سينا ما نصه : زيت الأنفاق بارد يابس في الأولى يقول روفس : فيه رطوبة وزيت الزيتون المدرك حار باعتدال وإلى رطوبة فإن غسل فهو معتدل في الرطوبة واليبوسة وأقل حرا . وبالجملة فإن الزيتون النضيج حار وزيته إلى رطوبة والفج معتدل بارد اهـ
ويقول ابن النفيس في كتابه الموجز في الطب ما نصه : زيت الأنفاق أي المتخذ من الزيتون الفج، بارد يابس في الأولى، والمتخذ من المدرك، حار باعتدال، وإلى الرطوبة اهـ
وفي كتاب خزائن الأدوية لمحمد نجم الغني الهندي ما نصه : الناضج من ثمر الزيتون معتدل إلى الحرارة مع بعض القابضية وقيل الفج بارد في الدرجة الأولى ويابس في أول الدرجة الأولى بخلاف الأحمر والناضج الأسود من ثمره فإنه حار يابس في الدرجة الأولى وقال بعضهم حار رطب ، والجبلي حار يابس في الدرجة الأولى اهـ
وفي كتاب فتح القدير شرح الجامع الصغير رد الإمام المناوي على من أطلق القول بأن الزيت حار رطب في الأولى وعلى من غلط من قال بأنه يابس ، بقوله ما نصه :
وكلا الإطلاقين غلط وإنما هو بحسب زيتونه فالمعتصر من نضيج أسود حار رطب باعتدال وهو أعدله وأجوده ومن فج خام بارد يابس اهـ
لذلك نقول بما أن الزيتون الأسود حار لا خلاف فيه وزيته حار أيضا ، ولا شك أن المعتصر من الزيتون الأسود لا بد أن يكون حارا لأن الزيتون البارد لا يعتصر منه زيت حار مطلقا ، بل الزيتون الفج البارد يعتصر منه زيت بارد والزيتون الحار يعتصر منه زيت حار.
.png)
%20(1080%20x%201920%20px.png)