top of page

تشخيص المرض أصل العلاج

التشخيص هو أساس العلاج، ومن أخطر ما يُهمل في الطب الحديث تحديد طبيعة المرض: أهو حار أم بارد؟ رطب أم يابس؟

وقد نبّه السيوطي إلى أن العلاج بلا تشخيص دقيق أقرب إلى الخطأ من الصواب.

في هذا المقال نُبرز أهمية التشخيص في ضوء طبّ الأخلاط، ونوضح أثره في نجاح العلاج أو فشله.

النبض رسول لا يخطئ، ويعتمد الطبيب عليه في التشخيص إلى جانب مؤشرات أخرى في طب الأخلاط

ذكر الحافظُ السيوطيُّ في شرح كتابه إتمام الدراية لقراء النقاية بقوله:
"وتشخصُهُ أي المرضِ أصلُ العلاجِ، وإلّا فمن عالجَ بلا تشخُّصٍ خطؤهُ أقربُ من إصابتِه". اهـ

أقولُ: معنى كلامِ السيوطي أنَّ من أعطى الدواءَ من غيرِ تشخيصٍ للمرضِ: هل هو حارٌّ أو باردٌ أو رطبٌ أو يابسٌ، فخطؤهُ أقربُ من إصابتِه، لأنه قد يُصيب أحيانًا وهو لا يدري، لأنه لم يُشخِّص المرض، بل يُصادف أن يكون الدواءُ حارًّا والمرضُ باردًا، أو الدواءُ باردًا والمرضُ حارًّا. ويخطئ كثيرًا لأنه لا يدري: هل المرضُ حارٌّ أو باردٌ؟ ولا يدري: هل الدواءُ حارٌّ أو باردٌ؟ إنما هو وصفه لأنه طالع في الكتب أن هذه الأدوية تنفع لكذا وكذا، فركبها وصار يصفها للناس.


فتشخيصُ المرضِ أصلُ العلاج، لأنه بدونه يكون الذي يصف الدواءَ ضائعًا تائهًا، يصفُ وهو أعمى عن طبيعةِ المرض.

وهذا مما ابتُليت به الأمة في هذا الزمان، وما ذلك إلا لأن المدرسةَ المعاصرة لا تُعنى بموضوع الطبائعِ الأربعة في تشخيصِ المرض، إنما يمشون على توصيفِ نوع المرض ثم إعطاءِ ما يُخفي العرض.


فتأثر الناسُ بهذه النظريات، مما أدى بهم إلى استعمالِ الأعشاب على غيرِ قواعدِ طبِّ الأخلاط، بل على النظرية المعاصرة القائلة بأن الدواء الواحد يُعطى لكل الناس.


مثالُ ذلك: من كان عنده وجعُ رأس، علاجُه عند المعاصرين مسكِّنُ الألمِ لكل الناس، مع اختلافِ طبائعِهم، من غير الالتفات إلى سببِ المرض: هل هو حارٌّ أو باردٌ أو رطبٌ أو يابسٌ، ومن غير الالتفات إلى طبيعةِ الدواء: هل هو حارٌّ أو باردٌ أو رطبٌ أو يابسٌ، حتى يُستعمل بالضِّد.

ومعلومٌ أن المسكناتِ لا تُزيل سببَ المرض، إنما تُخدِّرُ العصب، فيسكنُ الألمُ وقتيًّا، ثم يعود بعد مدة، وهكذا.ومنهم من يبقى كل عمره يُعاني ولا يُشفى، لأن السببَ ما زال موجودًا.

​وبعض الناس ممن يبتغي الربح المالي أو يدعي أنه طبيب، ينشر على وسائل التواصل خلطات يجمع فيها العسل مع الكركم والفلفل والقرفة والزنجبيل مثلا، ثم يقول هذه تنفع لأمراض القلب والكبد والدما والمعدة وأوجاع المفاصل والسعال وتقوي الباه
لكل الناس، ويسرد قائمة من أمراض كثيرة حتى يحسب القارىء أن هذا الدواء هو السر المكتوم والكنز المدفون، ثم بعض الناس يصدق أن هذا الدواء ينفع مطلقا لكونه لا يعرف أصول طب الأخلاط فيشتري له ولأحبابه فينضر ويمرض فيظن أن طب الأخلاط طب باطل غير صحيح وأنه قديم وغير فعال في الأمراض، وما ذاك إلا لأن مرضه حار والدواء حار فلا هو يعلم ولا من وصف له الدواء يعلم، وفي الحقيقة أن هذه الخلطة مشروط نفعها في الأمراض الباردة الرطبة البلغمية وتضر الأمراض الحارة اليابسة الصفراوية، لأن أمراض القلب والكبد والدما والمعدة وأوجاع المفاصل والسعال وغير هذه من الأمراض منها حار ومنها بارد وكل له علاماته وعلاجه. وجع الرأس الخلطي أسبابه وعلاماته وعلاجه.

 

وحتى يكون الأمر واضحا ساذكر بعض أسباب وعلامات وعلاج مرض واحد من مئات الأمرض الحارة والباردة والرطبة واليابسة، وهو وجع الرأس، فمنه الدموي الحار ال رطب، والصفراوي الحار اليابس، والبلغمي البارد الرطب، والسوداوي البارد اليابس، ليعلم دقة هذا الطب وجهل من يعطي الدواء من غير تشخيص المرض.


فوجع الرأس الذي سببه غلبة الدم أي الحرارة والرطوبة علاماته: حمرة ال وجه والعين بسبب حمرة لون الدم، وانتفاخ الوجه وأجفان العين بسبب الرطوبة، وثقل عظيم في​ الرأس لزيادة وزنه بامتلائه من الدم، وضربان أي حركة شديدة للشرايين وذلك لشدة
الحاجة الى جذب الهواء البارد، وعظم النبض أي أن يكون طويلا عريضا شاهقا.

(1)فإذا كانت العلامات تدل على الدم فالعلاج بالضد: بالتقليل من الدم بفصد (2) القيفال (3) ليجذب المادة من الرأس فقط واستعمال الأدوية الباردة اليابسة كالتمر الهندي مع قليل سكر، أو العدس المقشر بماء الرمان الحامض أو الحصرم، ويطلى
الرأس بالأطلية المتخذة من دقيق الشعير مثلا.ثم يبدل المزاج  بالأغذية الباردة اليابسة مثل العدس والفول اليابس وخبز الشعير والخل
وغيرهم.


ووجع الرأس الذي سببه غلبة الصفراء أي الحرارة واليبوسة علاماته: شدة حرارة الرأس، والعطش )4(، لأن الصفراء أشد حرا رة من سائر الأخلاط، والاستراحة من الأشياء والباردة ويبس الخياشيم ومرا رة الفم، لأن ما ينزل من الدما إلی الحنك من الفضول
يکون مختلطا بالصفراء وهی المرة (5)، والسهر ليبس الدما وحرارته​ وسرعة النبض(6) وسببه هاهنا شدة حرا رة الصفراء المستلزمة لکثرة الحرکة ولشدة الحاجة إلی جذب الهواء البارد وشدة يبوستها المستلزمة لصلابة الآلة وعصيانها عن الانبساط التام، فيصير النبض لذلك سريعا ليتدا رك بالسرعة ما يفوته من العظم، (7) وصفاء القارورة (8) لترقي المادة إلی الدماغ للطافتها وشدة حرارتها، ويکون لون الوجه ضاربا إلی الصفرة، لأن الصفراء بسبب لطافتها تنفذ إلی ظاهر الجلد وتجعله أصفر.

 

فإذا كانت العلامات تدل على الصفراء فالعلاج بالضد: استفراغ(9) الصفراء بمثل التمر الهندي، والسبستان مع الترنجبين، واستعمال الأدوية الباردة الرطبة مثل البنفسج والنيلوفر، وينبغي أن تكون المبالغة في التبريد هاهنا أكثر من الدموي. ثم تبديل المزاج  بالأغذية الباردة الرطبة مثل السمك والألبان والأجبان الحلوة والبطيخ الأحمر وغيرهم.

 

ووجع الرأس الذي سببه غلبة البلغم أي البرودة والرطوبة علاماته: الثقل فی الرأس
لزياده وزنه بالامتلاء وانغمار الحرا رة بکث رة المادة، ولضعف الق وة بکيفيتها المضادة​ للروح )10( والحرارة الغريزية )11( لضعف الأعصاب لرطوبتها وبرودتها، فإن قوتها بالحرارة واليبوسة وقد انتفتا، فتعجز عن حمل الرأس، والنوم الطويل الغرق لاسترخاء الأعصاب لرطوبتها وبرودتها، ورطوبة المنخرين والفم لأن فضلات الدماغ تندفع إليهما، وبطء النبض )12( وسببه هنا قلة الحاجة إلى الترويح للبرودة وضعف القوة، لأن ملاكها الحرارة، وبياض القارورة لبياض الخلط الغالب وعدم الحرارة الصابغة، لأن الصفراء تصبغ البول باللون الأصفر.


فإذا كانت العلامات تدل على البلغم فالعلاج بالضد: استفراغ البلغم بمثل شحم الحنظل لأنه حار يابس يسهل البلغم، بعد تعديل قوام المادة بالأدوية الحارة اليابسة مثل الأنيسون والبابونج، والغراغر الحارة اليابسة المتخذة من الخردل والصعتر مع العسل ثم تبديل المزاج بالأغذية الحارة اليابسة مثل العسل والصعتر ولحم العصافير والبصل وغيرهم.

ووجع الرأس الذي سببه غلبة السوداء، أي البرودة واليبوسة، علاماته: ثقل في الرأس لكثرة المادة الغليظة وبرودتها، لكن أقل من البلغمي ليبسها وقلة مقدارها في البدن بالنسبة إليه، مع يبس الخياشيم والعين بسبب البرودة واليبوسة، وسهر، وميل اللون إلى 

​السواد لما يتلون الجلد بلون الخلط الغالب، وجفاف الرأس، وضيق النبض(13) وسببه هاهنا صلابة الآلة لكثرة اليبس والجفاف، فلا يمكن أن يستعرض لأن العرض يحتاج إلى لين الشريان، واللين يحتاج إلى رطوبة، وبطؤه لقلة الحاجة إلى الترويح (14)، وبياض
القارورة ورقتها لتحجر السوداء وعدم اندفاع شيء منها إلى البول، وإنما يكون هذا عند عدم النضج، وأما بعد كمال النضج فيكون أسود غليظ القوام لكثرة ما يختلط به منها.

 

فإذا كانت العلامات تدل على السوداء فالعلاج بالضد: بعد النضج التام بطبيخ الأدوية الحارة الرطبة مثل طبيخ الزبيب ولسان الثور، وإخراج السوداء بالأفتيمون مع الترنجبين. ثم تبديل المزاج بالأغذية الحارة الرطبة مثل لحم الدجاج وصفار البيض والبرغل والجزر وغير ذلك.

كيف يميز الطبيب من العشّاب


الطبيب هو العارف بأصول طب الأخلاط، الطبائع الأربعة، والأمزجة، والأخلاط، وغيرها كالنبض، والبول، والبراز، وعلم التشريح، وعمل الأعضاء، والأمراض الجزئية بأسبابها وعلاماتها وعلاجها، ويعرف الأدوية بخواصها ومزاجها من حار وبارد ورطب ويابس،
وهو الذي يبحث في الأعراض والعلامات، والنبض، والبول، والبراز، وغير ذلك، ليعرف السبب ثم يصف الدواء، والشافي هو الله.

أما العشّاب، وهو الذي يجمع الأعشاب ويبيعها، فعلى نقيض هذا كله، لا يعرف الطب، ولا يميز مزاج الأمراض والأدوية، ولا يسأل عن الأسباب والعلامات، والنبض، والبول، والبراز، وغير ذلك، بل يخبط خبط عشواء، فيخطئ كثيرًا ويصيب قليلًا، وفي الحقيقة هذا ضرره عظيم على الناس، وعلى سمعة طب الأخلاط، لأن الناس يحسبونه ممثلا لطب الأخلاط والطب بريء منه.

 

نصيحة
لذلك نصيحتي لكل من أراد أن يتعالج بالأعشاب ونحوها أن لا يقبل أن يوصف له الأعشاب قبل التشخيص، فمن وصف أعشابا لمجرد قول المريض له أنا مريض بكذا يكون قد عرضه للضرر والهلاك كمن أعطى السم لغيره، وهذا لأنه خالف قواعد طب الأخلاط لأنه لا يعرفها، لا يميز أسباب الأمراض وعلاماتها فضلا عن أن يصف العلاج لأنه ليس طبيبا، بل مجرد حاطب ليل غره أن كتب الأدوية المفردة التي يطالعها لا يذكر فيها الأطباء عند كل مرض أن هذا الدواء ينفع لهذا المرض الحار أو البارد، إنما فقط يذكرون عند ذكر الدواء مزاجه ثم يتكلمون لما ينفع من الأمراض ولا يذكرون مزاج الأمراض بعد ذلك غالبا، لذلك فُتن هؤلاء بما عندهم من الكتب فصاروا يطبقون ما يقرؤونه على الناس من غير علم بالقواعد والأصول فضروا كثيرا،

 

فإذا كان المريض عنده وجع رأس مثلا، أو صرع، أو وجع المفاصل، أو ألم المعدة، أو سعال، وغير ذلك من الأمراض، كيف يوصف له دواء من غير معرفة مزاج المرض !!!، فهذه الأمراض قد تكون حارة أو باردة أو رطبة أو يابسة وكل له علاماته، فأكثر الأمراض منها حار وبارد ورطب ويابس، فكيف يوصف الدواء من غير تشخيص !!!

خاتمة
إن هذا البلاء الممتد في كل الأمة الإسلامية يحتاج إلى مزيد من الجهد في نشر طب الأخلاط بأصوله المعروفة، لأنه لا يخلو بلد من عشابين يدعون أنهم على معرفة بالأعشاب ودراية بما تفيد من الأمراض، فيصفون الأدوية للناس فيهلكونهم ويكونون

​سببًا لضعف اعتقاد الناس بطب الأخلاط وابتعادهم عنه، لكون العشابين هم الكثرة الغالبة التي تدعي المعرفة بالطب القديم والناس تصدقهم وهم في الحقيقة جهلة مدعون. وليس صحيحًا ما هو شائع أن الأعشاب إن لم تنفع لا تضر، فلا بأس أن نأخذها عن النت أو من أي عشاب، بل إن أكثر الأدوية تنفع من ناحية وتضر من ناحية، والطبيب يعرف ما يضر وما ينفع منها لأنه يعرف طبعها وخواصها، ويعرف طبع المرض. فلا ترموا بأنفسكم إلى الهلاك بين يدي هؤلاء العشابين الذين لا يشخصون أمراضكم ولا يعرفون طبائع الأدوية والأمراض.

 

 

(1) في مصطلح الأطباء: النبض الطويل هو الذي يكون أطول من أربع أصابع باليد المعتدلة، والعريض أعرض من أنملة الأصبع، والشاهق هو المرتفع.


(2) في مصطلح الأطباء: الفَصْد هو تفرّق اتصال إرادي واقع في العروق بالمِبْضَع.


(3) في مصطلح الأطباء: القيفال (Cephalic vein) هو وريد يظهر عند مأبض المرفق على الجانب الوحشي.


(4) في مصطلح الأطباء: العطش هو افتقار الطبيعة إلى البارد الرطب أي المفرط، لأنه في وضع الأطباء إنما يقال على المفرط من شهوة الماء، فإذا قيل بفلان عطش فالمراد أن ذلك به مفرط.


(5) في مصطلح الأطباء: المرة هي إحدى الطبائع الأربع، والمرة في اللغة تعني القوة والشدة، وأُطلقت على الصفراء لأنها أقوى الأخلاط، وعلى السوداء أيضًا لأنها أشدها لاقتضائها للسمك والثبات والصلابة.

(6) في مصطلح الأطباء: النبض السريع هو الذي يتمم الحركة الانبساطية في مدّة قصيرة، أي هو الذي يكون زمان حركته قصيرًا جدًا بالنسبة للنبض المعتدل.

(7) في مصطلح الأطباء: النبض العظيم هو الزائد في الطول والعرض والشهوق.

(8) أي قارورة البول.

(9) في مصطلح الأطباء: الاستفراغ هو خروج الفضلات عن البدن من غير معالجة، كالرعاف والخلفة والقيء والعرق وما أشبه ذلك.
والاستفراغ هو انتفاض مواد البدن، والاستفراغ الكلي قد يُعنى به ما يكون من البدن كله، وقد يكون بمعالجة فيكون الاستفراغ الجزئي ما يُستفرغ من عضو مخصوص، كالسعوطات والعطاسات المستفرغة من الرأس وحده، وقد يُعنى به ما يُستفرغ الأخلاط كلها، فيكون الاستفراغ الجزئي ما يُستفرغ خلطًا خاصًا كما يكون بالإسهال والقيء.

(10) في مصطلح الأطباء: الروح جوهر لطيف بخاري يتولد من الدم الوارد على القلب في البطن الأيسر منه، لأن الأيمن منه مشغول بجذب الدم من الكبد، وأطلقوا عليه هذا ليميزوه بينه وبين الريح التي تكون في البطن، أما الروح الإنساني لا يعلم حقيقته إلا الله، وفي القاموس المحيط: الريح جمع أرواح وأرياح ورياح وريح. اهـ

(11) في مصطلح الأطباء: الحرارة الغريزية هي جوهر حار لذيذ هوائي لا حدة له ولا لذع ولا إحراق ولا تعفن ولا إفساد.

(12) في مصطلح الأطباء: النبض البطيء هو الذي يتمم الحركة الانبساطية في مدة طويلة، أي هو الذي يكون زمان حركته طويلاً جدًا بالنسبة للنبض المعتدل.

(13) في مصطلح الأطباء: النبض الضيق الناقص عن أطراف الأنامل بالعرض.

(14) أي: التهوية.

bottom of page