top of page

شرح كلام السيوطي: لا يعالج إلا المطيع

يؤكد الحافظ السيوطي وغيره من أطباء التراث أن نجاح العلاج لا يتحقق إلا بطاعة المريض والتزامه الكامل بتوجيهات الطبيب، إذ لا تكفي الأدوية وحدها إذا أهمل المريض تعديل نمط حياته وغذائه وفق ما يناسب مزاجه. هذا المقال يسلط الضوء على أهمية التعاون بين الطبيب والمريض، ويشرح بالتفصيل الأمور الستة الضرورية التي تُعد أساسًا في حفظ الصحة ودفع المرض، كما وردت في كتب الطب القديم.

قال الحافظ السيوطي (1) في شرح كتابه إتمام الدراية لقراء النقاية (2) ما نصه: " ولا يعالج إلا المطيع، لأنه بامتثاله تظهر فيه ثمرة العلاج بخلاف العاصي " أقول: لأن المريض إذا لم يطع الطبيب باتباع العلاج كاملا واستنسب منه أخذ ما يريد وترك ما يريد، أو فعل خلاف ما قاله الطبيب لكونه يرى أنه لا ضرر بهذا، لا ينبغي للطبيبب أن يعالجه، لأنه إن لحقه الضرر سيتهم الطبيب ولن يتهم نفسه،

 

فكثير مما يوصف في العلاج لا يعرفه المريض فيهمله لكونه لم يعتد عليه، أو لكونه لم يجد له أهمية بنظره، أو لكونه اعتاد أن يأخذ الأدوية الكيماوية التي تخفي الأعراض ولا تذهب السبب، من دون أن يراعي الطعام والشراب وكثير من الأمور التي لا بد من مراعاتها لزوال المرض، فقد يكون سوداويا ويأكل الطعام السوداوي مثل البطاطا والكتشب والذرة والعدس ويشرب قهوة البن بكثرة مما يسبب له أمراضا سوداويةكثيرة ولا يريد أن يغير عاداته هذه، أو يكون صفراويا ويأكل الطعام الصفراوي مثل الصعتر والبصل والثوم ويكثر من التوابل والملح ويشرب الكثير من الدخان مما يسبب له أمراضا صفراوية كثيرة ولا يريد أن يغير عاداته هذه، ويخفي عن الطبيب ما يفعل لكونه يعتقد أن هذا لا يؤثر، فلا يشفى بما وصف له الطبيب من الدواء فتضعف ثقته بالطب والطبيب بسبب قلة درايته لحقيقة الطب وما وصف الطبيب، لأنه استعمال الدواء من دون الالتفات إلى الطعام.

 

 وقد قال الأطباء:كثير من الأمراض تندفع بالغذاء لوحده ولا تندفع بالدواء لوحده، أي لا بد من سماع كلام الطبيب مما يناسب المريض من الغذاء مع استعمال الدواء وإلا فقد لا يجد النفع وربما زاد الضرر، وقد يشفى بمجرد سماع كلام الطبيب بما يناسبه من الغذاء ولا يحتاج إلى دواء. فالطبيب يراعي في علاجه الحفاظ على الحرارة الغريزية (3) والرطوبة الأصلية (4) وذلك من خلال تعديل الأمور الستة الضرورية (5)فإذا لم يلتزم المريض بهذه الأمور الستة لكونه لا علم له بفوائدها ولم يلتزم بما وصف له الطبيب لا يحصل له الشفاء عادة.

 

وهذه الأمور الستة الضرورية هي:

1. الهواء المحيط بأبدانا: فينبغي أن يكون صافيا خاليا من نحو الدخان والغبار والعفن، وأن يكون الهواء حارا رطبا لمنكان باردا يابسا سوداوي المزاج، وإن لم يستطع فالمكيف ينبغي أن يكون على الحرارة مع وضع ءالة لترطيب الهواء،

ويرش البيت بمثل الماء ورد مع العنبر. وأن يكون الهواء باردا رطبا لمن كان حارا يابسا صفراوي المزاج، وإن لم يستطع فالمكيف ينبغي أن يكون على البرودة مع وضع ءالة لترطيب الهواء، ويرش البيت بمثل ماء ورد. وأن يكون الهواء حارا يابسا لمن كان باردا رطبا بلغمي المزاج، وإن لم يستطع فالمكيف ينبغي أن يكون على الحرارة، ويرش البيت بمثل ماء الزهر.

وأن يكون الهواء باردا يابسا لدموي المزاج، وإن لم يستطع فالمكيف ينبغي أن يكون على البرودة ، ويرش البيت بمثل الماء المحلول فيه الصندل، وينبغي أن لا ينشر في البيت دخان مثل الفحم، أو دخان النرجيلة أو السيجارة، وتغلق

الشبابيك للغبار، وينبغي إزالة العفن من جدران المنزل وهكذا.

 

2.ما يؤكل ويشرب: فمنكان معتدل المزاج يأكل ما يشاء من الحار والبارد والرطب واليابس باعتدال، ومن كان حارا رطبا دموي المزاج يأكل الطعام البارد اليابس، ومنكان حارا يابسا صفراوي المزاج يأكل الطعام البارد الرطب، ومن كان باردا رطبا بلغمي المزاج يأكل الطعام الحار اليابس، ومنكان باردا يابسا سوداوي المزاج يأكل الطعام الحار الرطب، ويدخل ضمن هذا الأدوية المناسبة

بحسب المزاج الغالب.

 

3.والحركة والسكون النفسانيان: فالغضب الشديد يزيد حرارة المزاج فيجتنبه الحار كي لا يحصل عنده نزيف في الرأس أو غيره أو فالج وغير ذلك من الأمراض، والكآبة الشديدة تزيد البرودة فينبغي أن يجتنبها بارد المزاجكي لا يحصل عنده سكتة قلبية أو دماغية وغير ذلك من الأمراض، لذلك ينصح الأطباء فيكثير من الأمراض الجلوس في الأماكن الخضراء وسماع صوت العصافير وشم الروائح العطرة والاغتسال ولبس البياض ووضع العطور المناسبة وتسريح الشعر ودهنه بالمطيبات ورؤية من يسر فقط، لأنه ينعش الحرارة

الغريزية ويقوي القوى، ويجتنب الأشياء التي تغضب وتحزن وتهم وتكرب.

 

4. الحركة والسكون البدنيان: فالرياضة ينبغي أن تكون ساعة، معتدلة الحركات بحيث يتمدد الجلد ويحمر ويتندى الجسم، والسكون الكثير يبرد والحركة الكثيرة تسخن، فينبغي أن يراعى المزاج بذلك.

5. والنوم واليقظة: فكثرة النوم تبرد وترطب وقلة النوم تسخن وتجفف، فيطيل الشخص أو يقصر بحسب مزاجه.

6. والاحتباس (6) والاستفراغ (7) : فالاحتباس الطبيعي مثل بقاء الغذاء في الجسم مدة حتى يتحول إلى هيئة الأعضاء، والاحتباس غير الطبيعي هو احتباس ما ينبغي خروجه مثل البول والبراز والأخلاط الفاسدة، والاستفراغ خروج ما ينبغي خروجه بالطبع مثل البول والبراز وغيرهما، أو إخراج الأخلاط الفاسدة بالفصد

(8) والحجامة والمسهلات (9) مثلا، ويتبع ذلك الادهان بزيت الزيتون (10) ،والادهان بالأدهان المحللة للمواد البلغمية الباردة الرطبة، مثل دهن القسط(11) ودهن البابونج (12)وغيرهما.

 

خاتمة

أقول كلام القدماء من الأطباء في حفظ الصحة بتدبير الأمور الستة الضرورية، من اهتم بالمحافظة عليها كان بدنه سالما معافا، ومن لم يحافظ عليها كان بدنه معرضا للأمراض الكثيرة، التي لا تزول بمجرد حبة دواء يأخذها صباحا ومساء تخفي له الأعراض ولا تذهب الأسباب، بل المرض سيزيد طالما لم يلتفت لتدبير هذه الستة الضرورية التي لها تفاصيل كثيرة لا تتسع لها هذه الورقات، لكن الأطباء يعرفونها ويرشدون الناس إليها.

(1) الحافظ جلال الدين السيوطي، ولد في القاهرة سنة 849 هـ- وتوفي سنة 911هـ

 

(2) كتاب النقاية للحافظ جلال الدين السيوطي رسالة مختصرة ضمنها خلاصة عدة علوم منها التشريح والطب

(3) في مصطلح الأطباء الحرارة الغريزية: هي جوهر حار لذيذ هوائي لا حدة له ولا لذع ولا إحراق ولا تعفن ولا إفساد يفاض على البدن عندما يفاض النفس عليه ويفارقه مع مفارقته عنه

 

(4) في مصطلح الأطباء الرطوبة الغريزية: هي جسم رطب سيال نسبتها إلى الحرارة الغريزية كنسبة الدهن إلى السراج (5) في مصطلح الأطباء الأسباب الستة الضرورية، وهي التي لا يمكن التخلص للإنسان عنها في حياته، ولا يمكن التخلي عن واحد منها، ومتى اتفق للإنسان استعمالها على ما ينبغي، كانت أسبابا للصحة، وإن لم يتفق له ذلك كانت أسبابا للمرض

(6) في مصطلح الأطباء احتباس: هو احتقان المواد في البدن، والاحتباس أيضا كل ما يحبس من إسهال أو قيء أو إدرار عرق أو بول أو رعاف أو نزف أو غير ذلك، إما عن أدوية أو أعراض أمراض

 

(7) في مصطلح الأطباء استفراغ: هو خروج الفضلات عن البدن من غير معالجة، كالرعاف والخلفة والقيء والعرق وما أشبه ذلك، والاستفراغ هو انتفاض مواد البدن، والاستفراغ الكلي قد يعنى به ما يكون من البدنكله، وقد يكون بمعالجة فيكون الاستفراغ الجزئي ما يستفرغ من عضو مخصوص،كالسعوطات والعطوسات المستفرغة من الرأس وحده، وقد يعنى به ما يستفرغ الأخلاطكلها ، فيكون الاستفراغ الجزئي ما يستفرغ خلطا خاصاكما يكون بالإسهال والقيء

 

(8) في مصطلح الأطباء الفصد: تفرق اتصال إرادي واقع في العروق بالمبضع

 

(9) في مصطلح الأطباء المسهل: وهو الذي من شأنه تحريك الرطوبات من العروق وباقي الأعضاء إلى جهة الأمعاء ليخرج برازا، واعلم أن المسهل يقال على وجوه في العرف الطبي الأول بالتليين والثاني بالإزلاق والثالث بالعصر والرابع بالجلاء والخامس بقوة مسهلة ومثل هذا يقال مسهل حقيقي والباقي مجاز

 

(10) زيت الزيتون المعصور من الزيتون الأخضر الفج بارد يابس، وإن بقي مدة حتى صار حلوا يصير باردا رطبا، وإن كان عصر من الزيتون الأسود الحلو حار رطب، ومن الزيتون الأسود المر حار يابس

 

(11) دهن القسط حار يابس

 

(12) دهن البابونج حار يابس باعتدال

bottom of page