top of page

بطلان فتوى أن الإنسان لا يتغير مزاجه الذي ولد عليه أبداً إلى الممات

 يبيّن هذا المقال، مستندًا إلى أقوال الإمام ابن النفيس وإجماع الأطباء، أن مزاج الإنسان يتغير بطبيعته مع مراحل العمر، وأن هذه التغيرات تؤثر في اختيار الغذاء والدواء المناسبين.

كما يوضح المقال القواعد الأساسية لحفظ الصحة وردِّ البدن إلى الاعتدال، ويؤكد أن العلاج والتدبير الغذائي ينبغي أن يُبنيا على المزاج الحالي للمريض، لا على المزاج الذي كان عليه عند الولادة. ويختتم بالتحذير من الفتاوى والآراء الطبية الصادرة بغير علم، لما قد يترتب عليها من ضرر ومخالفة لأصول طب الأخلاط المقررة عند الأطباء.

يد طفل تمسك بيد شخص بالغ ترمز إلى مراحل العمر وتغيّر مزاج الإنسان مع التقدم في السن

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

بعض الناس يعتقدون أن الإنسان يبقى على المزاج الذي ولد عليه إلى أن يصير شيخاً كبيراً ويموت، فإن كان معتدلاً أو دموياً أو بلغمياً أو صفراوياً أو سوداوياً منذ الولادة يبقى كذلك إلى آخر العمر.

أقول هذه فتوى بغير علم فيها خرق لأصول الطب المجمع عليها عند الأطباء، مع تكذيب للعيان لأن غالب الناس تتغير أمزجتهم مع التقدم في السن؛ فقد قال ابن النفيس (1) في كتابه الموجز في الطب ما نصه: والشبان أعدل والصبيان يساوونهم في الحرارة ولكنهم أرطب فلذلك تكون حرارتهم ألين وحرارة الشبان أحد والكهل والشيخ باردان يابسان والشيخ أرطب بالرطوبة الغريبة البالة اهـ

قال المؤلف رحمه الله: والشبان أعدل

الشرح: أي أعدل من حيث الرطوبة من الصبيان والكهول والشيوخ؛ لأن الرطوبة تكون في الصبيان وافرة مفرطة، وما بعد سن الشباب تكون الرطوبات قد قلت وجفّت.

قال المؤلف رحمه الله: والصبيان يساوونهم في الحرارة

الشرح: أي في الحرارة الغريزية، أي قوة تأثير الحرارة لا في المقدار؛ لأن الحرارة الغريزية الغائشة في الرطوبة الأصلية عند الصبي أكثر مقدارًا من حرارة الشاب الغريزية في كثرتها، لكثرة محلها، أي لكثرة الرطوبة الأصلية عند الصبي.

قال المؤلف رحمه الله: ولكنهم أرطب

الشرح: أي أبدان الصبيان أرطب من الشبان لأجل النمو، ويدل عليه ما يُشاهد بالتجربة ومن لين عظامهم وأعصابهم.

قال المؤلف رحمه الله: فلذلك تكون حرارتهم ألين وحرارة الشبان أحدّ

الشرح: أي أحدّ من الصبيان بسبب أنهم أرطب، والشبان أقل رطوبة؛ لأنه كلما كبر الإنسان جفّت رطوبته عادة.

قال المؤلف رحمه الله: والكهول والشيخ باردان يابسان

الشرح: أي أنهما باردان لنقصان الحرارة الغريزية فيهما، والحرارة تنقص بنقصان محلها، أي الرطوبة الأصلية، فيغلب البرد واليبس، فيكونان يابسين لاستيلاء التحلل على رطوبتهما، ويعلم ذلك من فرط صلابة عظامهما وقشف جلودهما. (4)

قال المؤلف رحمه الله: والشيخ أرطب بالرطوبة الغريبة البالة

الشرح: أي أن الشيخ أرطب بالرطوبة الغريبة البالة، فلأنه لضعف هضمه عن إحالة الغذاء على ما ينبغي تكثر الرطوبات الفضلية الغريبة (5) في بدنه فترطب أعضاؤه لا على سبيل ما يكون في جوهر العضو كما في الصبي، بل على سبيل البلل، فإن رطوبة الصبي كرطوبة غصن غض رطب صغير، ورطوبة الشيخ كرطوبة خشب ذاوٍ أي ذابل ويابس، وهذه الرطوبة الغريبة تزيد في جفاف الأعضاء الأصلية (6) لأنها إذا احتقنت بها من خارج منعتها من الاغتذاء بغيرها، مع أنها لا تصلح لغذائها لأنها فضل فتجف الأعضاء لفقدانها الغذاء، وأما الكهل فإنما لا يحدث في بدنه هذه الرطوبة الغريبة لأن هضمه لم يضعف بعد ضعفًا يلزمه ذلك أي يؤدي فيه إلى تلك الحالة، ولولا هذه الرطوبة في الشيخ لوجد اليبس فيه أشد من بدن الكهل بكثير

قال ابن النفيس في كتابه الموجز في الطب ما نصه: تدبير المأكول: كل صحة أردنا حفظها على حالها أوردنا عليها الشبيه في الكيفية، فإن أردنا نقلها إلى ما هو أفضل منها أوردنا الضد اهـ.

قال المؤلف رحمه الله: تدبير المأكول: كل صحة أردنا حفظها على حالها

الشرح: أي عند كونها تامة كاملة لا يلزم منها شيء أصلاً، ويكون صاحبها معتدلاً بين الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة.

قال المؤلف رحمه الله: أوردنا عليها الشبيه في الكيفية

الشرح: أي على البدن الذي أردنا صحته، أوردنا الغذاء المعتدل بين الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة الشبيه بمزاج البدن الصحيح المعتدل في هذه الكيفيات.

قال المؤلف رحمه الله: فإن أردنا نقلها إلى ما هو أفضل منها أوردنا الضد

الشرح: أي نقل الصحة غير الكاملة إلى الكاملة، وذلك عند كونها غير تامة كصحة دموي أو بلغمي أو صفراوي أو سوداوي المزاج، أوردنا عليها الضد في الكيفية، وذلك بأن أوردنا على بدن الحار المزاج الصحي الأغذية والأشربة المبردة المعتدلة لمزاجه المقربة له إلى الصحة التي في الغاية، إلى أن يصل إلى الاعتدال بين الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة، وهكذا البدن البارد والرطب واليابس.

قال ابن النفيس في كتابه الموجز في الطب ما نصه: والصفراوي غذاؤه مبرد مرطب، والدموي مبرد قامع، والبلغمي مسخن ملطف، والسوداوي مسخن مرطب اهـ

قال المؤلف رحمه الله: والصفراوي غذاؤه مبرد مرطب

الشرح: أي أن من أراد حفظ صحته وكان حاراً يابساً صفراوي المزاج يتجنب الأطعمة الحارة اليابسة ويأكل الباردة الرطبة البلغمية المزاج حتى يعتدل.

قال المؤلف رحمه الله: والدموي مبرد قامع

الشرح: أي من كان حاراً رطباً دموي المزاج يتجنب الأطعمة الحارة الرطبة ويأكل الباردة اليابسة السوداوية المزاج حتى يعتدل.

قال المؤلف رحمه الله: والبلغمي مسخن ملطف

الشرح: أي من كان بارداً رطباً بلغمي المزاج يتجنب الأطعمة الباردة الرطبة ويأكل الحارة اليابسة الصفراوية المزاج حتى يعتدل.

قال المؤلف رحمه الله: والسوداوي مسخن مرطب

الشرح: أي من كان بارداً يابساً سوداوي المزاج طعامه يتجنب الأطعمة الباردة اليابسة ويأكل الحارة الرطبة الدموية المزاج حتى يعتدل، وهذه القاعدة الغذائية للوصول إلى الاعتدال أصولية مجمع عليها عند أطباء الأخلاط

خاتمة

يفهم من هذا أن الصبي مزاجه حار رطب، فإذا أمعن في سن الشباب صار حارًا يابسًا، وإذا صار كهلاً بدأ البرد واليبس، وإذا صار شيخًا اشتد البرد واليبس في بدنه، وهذا مشاهد محسوس عند غالب الناس.

لذلك ينبغي كما هو مقرر في كتب الطب أن تحفظ الأبدان الخارجة عن الاعتدال بردها إلى الاعتدال بالأغذية والأدوية المناسبة، فمن كان مزاجه باردًا يابسًا مثلاً تدبّره بالأغذية والأدوية الحارة الرطبة حتى يصل إلى الاعتدال بين الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة، وهكذا باقي الأمزجة.

ومن أفتى بأن الإنسان يبقى مزاجه كما كان عند الولادة كل العمر لأن فئة دمه لا تتغير، ومراده من كان مزاجه عند الولادة حارًا رطبًا دمويًا يبقى كذلك إلى أن يموت، ومن ولد حارًا يابسًا صفراويًا المزاج يبقى كذلك إلى أن يموت، ومن ولد باردًا رطبًا المزاج يبقى كذلك إلى أن يموت، ومن ولد باردًا يابسًا في المزاج يبقى كذلك إلى أن يموت، فقد أفتى بغير علم وخالف إجماع الأطباء، فالإنسان يتغير بحسب العمر والتدبير والعادة وغير ذلك، وفتواه هذه يوهم الناس أنهم يبقون كل العمر معتدلين إذا كانوا ولدوا هكذا، أو دمويين أو بلغميين أو صفراويين أو سوداويين، وهذا كلام باطل لا صحة له ولا أساس في الطب، لأن من ولد دموي المزاج حارًا رطبًا هو الآن شيخ كبير غلبت عليه السوداء الباردة اليابسة، فتوهّم أنه ما زال دمويًا فصار يأكل الأطعمة الباردة اليابسة ويأخذ الأدوية الباردة اليابسة بسبب هذه الفتوى الفاسدة فقد ضرّ نفسه، وإني لأتعجب من كثرة الفتاوى الشاذة في طب الأخلاط التي يفتي بها أناس بغير علم، بل لمجرد الرأي والهوى من غير مراعاة الحدود الشرعية أو الطبية، فهؤالء هلكوا وأهلكوا من أفتوهم.

(1) ذكره الحافظ السيوطي الذي ولد في القاهرة 849–911 هـ في كتابه حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة بقوله ما نصه:
«ابن النفيس العلامة علاء الدين علي بن أبي الحزم القرشي الدمشقي، شيخ الطب بالديار المصرية، وصاحب التصانيف: الموجز وشرح القانون وغير ذلك، واحد من انتهت إليه معرفة الطب، مع الذكاء المفرط والذهن الصادق، والمشاركة في الفقه والأصول والحديث والعربية والمنطق اهـ».
وذكره الإمام اليافعي الذي ولد حوالي 696–769 هـ في مرآة الجنان بقوله ما نصه:
«سنة سبع وثمانين وستمائة، وفيها توفي ابن النفيس العلامة علاء الدين علي بن أبي الحزم القرشي الدمشقي، شيخ الطب بالديار المصرية، وصاحب التصانيف، وأحد من انتهت إليه معرفة الطب مع الذكاء المفرط، والذهن الصادق، والمشاركة في الفقه والأصول والحديث والعربية والمنطق اهـ».

(2) في مصطلح الأطباء: الحرارة الغريزية: جوهر حار لطيف هوائي، لا حِدّة له ولا لذع ولا إحراق ولا تعفّن ولا فساد، يُفاض على البدن عندما يُفاض النفس عليه، ويفارقه مع مفارقته عنه.

(3) في مصطلح الأطباء: الرطوبة الغريزية: هي جسم رطب سيّال، نسبتها إلى الحرارة الغريزية كنسبة الدهن إلى السراج.

(4) في مصطلح الأطباء: القشف والقشفة: هو اليبس المفرط، وحرقة الجلد من الشمس وخشونته، ومنه رجل متقشف، أي تارك للنظافة والرفه.

(5) في مصطلح الأطباء: الرطوبة الغريبة البالة: التي تزداد في البدن عند ضعف الحرارة الغريزية وعجز القوة الهاضمة عن إحالة الغذاء إلى مشابهة جوهره، وهي رطوبة 

لا تزيد البدن إلا جفافًا في أعضائه الأصلية؛ لأنها خارجة عن الجوهر.

(6) في مصطلح الأطباء: الأعضاء الأصلية: العظام والأعصاب والعروق، وقيل الأعضاء الأصلية هي التي تتولد من المني

bottom of page