top of page

تفسير الأحاديث النبوية بحسب مفاهيم طب الأخلاط

كان النبي صلى الله عليه وسلم يراعي في طعامه صفات الأطعمة وطبائعها، فيوازن بين الحار والبارد والرطب واليابس. هذا الهدي النبوي يوضح بجلاء اتباعه لأصول طب الأخلاط، وهو الطب العريق الذي اعتمد عليه العلماء والأطباء في تاريخنا الإسلامي.

في هذه الصفحة، نستعرض أمثلة واضحة من الأحاديث التي تبين كيف كان صلى الله عليه وسلم يصلح حرارة الطعام ببرودته، ويهتم بتعديل الطبائع لحفظ الصحة والاعتدال.

الرسول كان يأكل البطيخ مع الرطب

قال الشيخ ملا علي القاري في كتابه مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي كان يأكل البطيخ بالرطب، وزاد أبو داود وكذا البيهقي والترمذي في رواية يقول أي النبي: يُكسر حر هذا ببرد هذا، وبرد هذا بحر هذا.

وفي رواية: يدفع حر هذا برد هذا، وبرد هذا حر هذا. قالوا فإن التمر حار رطب، والبطيخ بارد رطب. وقال الطيبي: لعل البطيخ كان نيئًا غير نضج، فهو حينئذ بارد.

هذا الحديث واضح الدلالة على أن النبي كان متبعًا لأصول طب الأخلاط؛ لأن البطيخ بارد رطب، والرطب حار رطب، فهو صلى الله عليه وسلم أصلح حرارة الرطب ببرودة البطيخ، وترك رطوبة البطيخ والرطب ولم يصلحهما؛ لأن المدينة مزاجها يابس.

المراد هنا البطيخ الأصفر الفج البارد المزاج

شرح القرطبي لحديث أكل النبي صلّى الله عليه وسلّم الرطب بالقثاء

القرطبي من كبار المفسرين وكان فقيها ومحدثا ورعا زاهدا متعبدا كان في القرن السابع الهجري، هذا الإمام ينقل عنه أيضا ملا علي القاري في كتابه مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ما نصه:  وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْكُلُ الرُّطَبَ بِالْقِثَّاءِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ جَوَازُ مُرَاعَاةِ صِفَاتِ الْأَطْعِمَةِ وَطَبَائِعِهَا، وَاسْتِعْمَالِهَا عَلَى الْوَجْهِ الْأَلْيَقِ بِهَا عَلَى قَاعِدَةِ الطِّبِّ؛ لِأَنَّ فِي الرُّطَبِ حَرَارَةً، وَفِي الْقِثَّاءِ بُرُودَةً، فَإِذَا أُكِلَا مَعًا اعْتَدَلَا، وَهَذَا أَصْلٌ كَبِيرٌ فِي الْمُرَكَّبَاتِ مِنَ الْأَدْوِيَةِ.

أقول الرطب حار رطب والقثاء بارد يابس وقد أصلح رسول الله صلى الله عليه وسلم حرارة الرطب ببرودة البطيخ وترك الرطوبة ولم يصلح وذلك لأن مزاج المدينة المنورة يابس جاف يحتاج الجسم فيها إلى مزيد رطوبة لمقاومة الجفاف، وفي تقرير القرطبي قاعدة طبية جليلة وهي تعديل الأطعمة والأدوية حيث يعدل الحار بالبارد والبارد بالحار والرطب باليابس واليابس بالرطب 

تفسير النووي لحديث رسول الله لكل داء دواء

صورة أعشاب طبية وأدوات التداوي توضح تفسير النووي لحديث النبي لكل داء دواء في الطب النبوي

تعريف الحديث وشرحه عند النووي

حديث يشرحه الحافظ النووي:" لكل داء دواء." وفي هذا الحديث يثبت النووي قواعد طبية مهمة. والنووي كان في القرن السابع الهجري تقريبا. كان محدثا حافظا فقيها شرح صحيح مسلم بكتب الحديث. في هذا الشرح يكتب عن هذا الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: "لكلِ داءٍ دواءٌ فإذا أُصيبَ دَواءُ الدَّاءِ برأَ بإذنِ اللهِ ." هذا الحديث موجود في صحيح مسلم.

ما قاله النووي في أسباب المرض وعلاجه

النووي يشرحه في كتابه هذا وهذا كلام جميل فيقول يعني النووي عن هذا الحديث: " فهذا فيه بيان واضح لأنه قد علم أن الأطباء يقولون المرض هو خروج الجسم عن المجرى الطبيعي والمداواة رده إليه. ( ما هو المرض؟ المرض هيئة غير طبيعية في بدن الإنسان بحدث عنها بالذات ءافة في الفعل، أي لما الآلات تعمل بشكل مؤوف أي غير سليم. نحن نريد أن نرجعها أن تعمل بشكل سليم، نردها إلى مجراها الطبيعي ) . ويقول حفظ الصحة بقاؤه عليه. ( وحفظ الصحة بقاء الجسم على المجرى الطبيعي. لما نوصله إلى الاعتدال بين الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة ينبغي أن نبقيه على هذا الاعتدال بالأغذية المناسبة).

أهمية إصلاح الأغذية وتعديل المزاج

ماذا يقول النووي؟ فحفظها يكون بإصلاح الأغذية وغيرها. ( يعني أمر الغذاء أمر جدا مهم. لأن الغذاء منه حار ومنه بارد ومنه رطب ومنه يابس فكيف نحفظ الصحة؟ إذا إنسان كان عنده حرارة في المزاج نطعمه  المآكل الباردة لنعدل له هذه الحرارة. هذه قاعدة شرعية العلاج بالضد ليس بالمِثل. بعض الناس الآن مثل جماعة الهوميوباِثى  يقولون العلاج بالمثل. لا ليس هكذا، ليس العلاج بالمثل، العلاج يكون بالضد. هذه قاعدة. العقل السليم يقول مثلا إنسان يغلي دمه ويوجد حرارة زائدة في الجسم هو يشعر بها لدرجة ارتفع ضغطه، الآن نقول له كل الثؤم؟ كيف هذا؟ أو كل الملح؟ الثؤم حار يابس والملح حار يابس. أكيد سيغلي دمه أكتر وسيرتفع ضغطه أكتر.ليس هكذا .العلاج لا يكون بالمثل. على أن بعض الناس قد ثبت عندهم أحيانا إذا كان عنده ضغط مرتفع فأخذ الثؤم ينزل ضغطه. هذا لأنه هو بارد المزاج.  لأن الضغط عنده هو بارد رطب المزاج، يعني يوجد غلظ في الدم يضغط على الشرايين لذلك إذا أخذ الثؤم يحلل له هذا الغلظ فينزل الضغط . هكذا بيكون ليس بالمطلق).

العلاج بالضد لا بالمثل

 ماذا يقول النووي:" فحفظها يكون بإصلاح الأغذية وغيرها ورده يكون بالموافق بالأدوية المضادة للمرض وأبقراط يقول. ( أبقراط هو أبو الطب، هو نشر الطب بين العامة). " الأشياء تداوى بأضدادها ولكن قد يَدُق ويَغمُضُ حقيقةَ المرض حقيقةُ طبع الدواء فيقل الثقة بالمضادة ومن ها هنا يقع الخطأ من الطبيب فقط." ( يعني يقول أبقراط أن التداوي يكون بالضد لكن أحيانا الطبيب هو الذي لا يدرك هذه العلة يظنها حارة وهي باردة فيخطئ في وصف الدواء).

ماذا قال النووي فقد يظن العلة عن مادة حارة فيكون عن غير مادة. ( يعني يقال ساذج. صفقة هوا بارد مثلا أو ضربة شمس مثلا لم تحرك مادة.  أعطت حرارة هذه وهذه أعطت برودة). 

قد لا يجد الطبيب الدواء المناسب

قال النووي أو عن مادة باردة أو عن مادة حارة دون الحرارة التي ظنها فلا يحصل الشفاء فكأنه صلى الله عليه وسلم نبه في آخر كلامه على ما قد يعارض به أوله فيقال قلت لكل داء دواء ونحن نجد كثيرين من المرضى يداوون فلا يبرؤون. فقال إنما ذلك لفقد العلم بحقيقة المداواة لا لفقد الدواء وهذا واضح. والله أعلم. انتهى كلام النووي. يعني الحديث الذي فيه لكل داء دواء، هذا حقيقة، هذا وحي، فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله وإذا لم يصب لم يبرأ. المشكلة عند الطبيب. لكن أحيانا الطبيب لا يجد الدواء. مثل القدماء يقولون لا يوجد عندنا دواء للورم السرطاني. إنما يدارى مداراة ويعضهم يقول يعمل له جراحة فيستأصل كاملا ولا يبقى منه أثر. لكن لا يلمس حتى لا يهتاج. لا يؤخذ خزعة حتى لا يهتاج. إنما إذا أرادوا استئصاله، يستأصل كاملا لا يبقى منه شيء. وبعضهم قال لا يعمل عملية جراحية للورم السرطاني الباطني، وأما إن كان في أماكن لا يستطيع أن يعمل له جراحة فيدارى مداراة. لم يدعوا أن عندهم علاج للسرطان. وما زلنا حتى الآن لا يوجد علاج للسرطان. لم يجدوا علاجا للسرطان حتى الآن قديما وحديثا.

تعريف السرطان عند القدماء

هو ورم متقرح أو غير متقرح ، متولد من مواد سوداوية محترقة انصبت إلى ذلك العضو وملأت العروق التي حوله ، وإنما سمي بالسرطان لوجهين ، أحدهما أنه يشابهه في الشكل ، لأن وسطه شبيه بجوف السرطان ، والعروق التي حوله الممتلئة دما شبيهة بأرجله ، وثانيهما أنه يتشبث بالعضو الحاصل فيه كما يتشبث السرطان بما يمسكه ، وقيل السرطان ورم صلب له في الجسد أصل كثير ، وتسقيه عروق خضر ممتلئة دما أسود ، وفي مجسته سخونة ، ويكون مثل شعلة نار ملتهبة ، ويكون للرجال في الأمعاء والوجه والإحليل ، وللنساء في الثدي والرحم.

للمزيد من الشروحات والفيديوهات التعليمية، زوروا حسابنا على إنستاغرام

تفسير قول الرسول صلّى الله عليه وسلّم " اسقه عسلا "

أحد العلماء اسمه شهاب الدين القسطلاني، كان في القرن التاسع الهجري، كان حافظًا من الحفاظ الكبار. عنده كتاب اسمه إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري، يقول عن أبي سعيد قال:

جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن أخي استطلق بطنه. فقال: «اسقه عسلًا».

فسقاه، فقال: إني سقيته فلم يزده إلا استطلاقًا. فقال: «صدق الله وكذب بطن أخيك.»

عسل  في إناء مع ذكر حديث نبوي عن استعماله لعلاج مرض الإسهال الشديد
 تفسير الحافظ القسطلاني لحديث العسل

الحافظ القسطلاني يفسر هذا الحديث: اسقه عسلًا. فقال: إنه دواء لدفعه الفضول المجتمعة في نواحي المعدة لما فيه من الجلاء.

 ما يقوله القسطلاني

ماذا يقول القسطلاني؟

لما فيه من الجلاء ودفع الفضول التي تصيب المعدة من الأخلاط اللزجة المانعة من استقرار الغذاء فيها. وللمعدة خمل كخمل المنشفة، فإذا علقت بها الأخلاط اللزجة أفسدتها وأفسدت الغذاء الواصل إليها، فكان دواؤها باستعمال ما يجلو تلك الأخلاط، والعسل أقوى فعلًا في ذلك، لا سيما إن مزج بالماء الحار.

سبب الاستطلاق

وهذا الرجل كان استطلاق بطنه من هيضة حصلت له من الامتلاء وسوء الهضم اهـ.

 خصائص العسل

العسل جلاء، وهو يدفع المواد الفاسدة الباردة اللزجة التي أصابت المعدة لأن العسل حار يابس.

والمعدة فيها خمل كخمل المنشفة، يعني كيف المنشفة لها مخملية، هكذا المعدة. فإذا علقت بها الأخلاط اللزجة وأفسدت الغذاء الواصل إليها، فكان دواؤها باستعمال ما يجلو تلك الأخلاط، والعسل أقوى فعلًا في ذلك، لا سيما إذا مزج بالماء الحار.

توضيح المرض

هذا الرجل كان استطلاق بطنه من هيضة حصلت له من الامتلاء وسوء الهضم. هذا مرض يفسد فيه الغذاء في المعدة، وتتحرك تلك المادة الفاسدة إما بطريق القيء أو تكون بطريق الإسهال، فيصير معه إسهال حاد بسبب هذا، فسقاه العسل.

بيان التكرار

الحافظ القسطلاني يشرح هذا الكلام: فسقاه العسل فلم ينجح، فرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني سقيته عسلًا فلم يزده إلا استطلاقًا بسبب الأخلاط الفاسدة، وكون العسل أقل من كمية تلك الأخلاط فلم يدفعها بالكلية، لم يخرجها كلها.

فقال صلى الله عليه وسلم: صدق الله وكذب بطن أخيك، حيث قال الله تعالى: شفاء للناس أي العسل. وكذب أي أخطأ بطن أخيك حيث لم يحصل له شفاء بالعسل لأن الداء لكثرة المواد الفاسدة احتاج إلى تكرار شرب العسل.

نتيجة التكرار

لذا أمره صلى الله عليه وسلم بمعاودة شرب العسل، فلما كرر ذلك برأ. كما في رواية أخرى أنه سقاه ثانية وثالثة، وعند أحمد قال في الرابعة: اسقه عسلًا. قال: فسقاه فبرأ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صدق الله وكذب بطن أخيك.

 خلاصة العلاج

يعني علة الهيضة ينفع فيها العسل مع كونها إسهال، لكن هي إسهال قوي سببه مواد فاسدة باردة لزجة. العسل هو حار يابس يفيدها ويحدرها عن البطن فيتوقف الإسهال. وهذا العلاج بالضد.

للمزيد من الشروحات والفيديوهات التعليمية، زوروا حسابنا على إنستاغرام

bottom of page